عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
حين تتحدث الصور
الوطن في 22/1/1427هـ - الموافق 20/2/2006 م

كــم كان لئيماً وقاسياً تعليق ذلك الإسرائيلي على إحدى مداخلات المحطات الإذاعية حول الصور التي ظهرت أخيراً عن ممارسات رسل العناية الديموقراطية من أمريكان في أبو غريب وانجليز في العمارة حين قال "على العرب أن يتذكروا ممارسات أجهزتهم الأمنية ليروا أن هذه الصور ربما أقل من العنف الذي يتعرضون له على أيدي أجهزتهم" .
قـال ذلك وهو يشمت بالعرب الذين نالوا ــ في رأيه ــ على أيدي إخوانهم وذويهم أكثر مما نالوه على أيدي قوات الاحتلال بريطانية كانت أو أمريكية أو حتى إسرائيلية، فهل كانت شماتة أم عزاء، وهل كان ذلك تحريضاً أم استخفافاً، وهل هي سخرية الليالي والأيام حين لا نجد من يعزينا فيما آلت إليه الأوضاع إلا أمثال هذا الشامت الساخر ؟!
ثــم ترى وزير الدفاع الأمريكي في جلسته التي تكاد تكون جلسته تلك أمام فريق من الكونجرس عند الكشف عن الصور في المرة الأولى، يجلس اليوم ليقول لهم: ليس في هذه الصور من جديد، لقد حاسبنا المتسببين فيها ولا نرضى بتعذيب أحد أو التسبب في إيذاء أحد !!! أو هكذا قال، ولكنه لم يضبط أعصابه بنفس القدر حين خرج مرة أخرى لينتقد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان على الموقف الذي اتخذه من معتقل جوانتانامو مطالباً بإغلاقه لأن ما يجري فيه غير إنساني وغير قانوني ! .
ومـن الجميل أن نسمع همس بلير وهو يصف المعتقل بأنه شاذ !! كم نحن محظوظون في هذا العالم حين نرى أن هذه الجراح تبث في محطة تمولها الحكومة هناك في أستراليا، وكم نحن محظوظون أيضاً أن يغفل شأن هذه الصور وشأن هذا المعتقل أكثر قنواتنا التي خصصت مواردها وإمكاناتها ومواهبها لأجساد عارية، ولكنه ليس التعري الذي رأيناه في أبو غريب ولا جوانتانامو، ولأن بينهما أمداً بعيداً فليس في قانون الشرف الذي تنتمي إليه هذه القنوات ما يدعوها الى الحديث عن تجاوزات رسل العناية الديموقراطية !! .
إن الحديث عن الصور يقتضي الحديث عما قبلها وعما بعدها، حتى لا تكون الصور وحدها هي مركز الحدث ومحور الحديث، جاءت الصورة نتيجة المفارقة الشاسعة بين الديموقراطية الغربية والدكتاتورية الشرقية، فالأولىا تهدف إلى حماية الداخل بتحقيق الحرية والعدالة والتنمية وتكافؤ الفرص والرفاه الاجتماعي والاقتصادي وإن كان ذلك على حساب ــ بل هو كذلك ــ حريات ورفاه وعدالة شعوب أخرى تتسلط عليها وتنهب خيراتها وتجعلها سوقاً لمنتجاتها وخبراتها وأسلحتها وعمقاً استراتيجياً لها.
بينمـا تسعى الدكتاتوريات الشرقية إلى حماية الداخل بالقمع والتخويف وسن قوانين الطوارئ وتجويع الشعوب والمحسوبيات وتعزيز الفساد وقد لا يتأتى لها ذلك إلا بسطوة قوة أمنية داخلية وحماية خارجية تركن إليها عند الحاجة، وفي الحالين هنالك انفصام ومعايير مزدوجة وتغييب لمبادئ يحتكم الناس إليها من أجل الشعور بالأمان الفكري والنفسي والاجتماعي والاقتصادي.
حيــن تسأل عن مخصصات رئيس الدولة في المجتمعات الغربية تجدها في أحسن الأحوال لا تتجاوز مخصصات مدرب فريق كرة قدم في جامعة من الجامعات، وليس في ناد من الأندية القومية، وإن كان يستمتع بسكن فاره ووسائل تنقلات فخمة خلال فترة حكمه إلا أن ذلك كله ينتهي إذا غادر الكرسي ولا يبقى له إلا سجله ــ إن كان نظيفاً ــ وقدراته ــ إن كانت متفوقة ــ.
وحيــن تأخذ صدام نموذجاً لزعيم شرقي تجده عاش مشغولاً بقصوره ونظام أمنه وإعلامه الذي جعل منه أسطورة العصر وجوهرة الزمان، فأين قصوره اليوم ؟ إنها مرتع لجنود الاحتلال ومقار رسمية لإداراتهم وقياداتهم، وأين سجونه التي قمع فيها مخالفيه من شعبه ؟ إنــها أوكار تعذيب وتقتيل لشعبه الذي لم ينعم به حاضراً وغائباً.
هـل وعى الذين قدموا على دبابة الاحتلال هذا الدرس؟ هل "فرق الموت" التي اعتقل الأمريكيون عناصر منها والتي تتبع لوزير الداخلية العراقي "صولاج" مما يمكن أن ينظر إليه بمعزل عن ظلم الاستبداد وظلم الاحتلال ؟ وهل حرص الأمريكيين على اللعب بهذه الورقة في هذا الوقت بالذات : وقت الحديث عن صور أبو غريب ومآسي جوانتانامو يمكن أن تكون الحدث العابر الذي لا علاقه له بشيء مما يحدث في وسائل الإعلام ؟
هــل في القادة الشرقيين اليوم حكماء يسارعون إلى استثمار حديث الصور فيقيمون معاهدة صلح وسلام مع شعوبهم تهدف الى تحقيق مصالح مشتركة تقوم على أن الجميع شركاء في بناء أوطانهم على أساس من الحرية والعدل والمساواة والرحمة والاحترام المتبادل والشعور بأن التاريخ المشترك يحتم أن يكون المصير مشتركاً وأن الغريب لن يرحم أحداً، وأن حديث الصور وأحداثها تؤكد على أن الجبهة الداخلية متى قامت على بناء متين فلا يمكن للأجنبي مهما بلغت قوته أن ينال منها حين يكون الحكام والشعوب على ثغرة واحدة لا يخون أحدهما الآخر ولا يسلم أحدهما الآخر.
إنـها أمنيات وما أجمل الأمنيــات .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011