عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
الاستثمار في حماس
الوطن في 15/1/1427هـ - الموافق 13/2/2006 م

الديموقراطيـة في أحسن صورها كالعدالة في أحسن صورها لا تعرف المحاباة ولا تؤمن بالمحسوبيات وتسقط أمامها الألقاب وتذوب الفوارق ولا يبقى أمام الجميع إلا صوت الضمير يتحرك كما يتحرك الهواء يبعث الحياة في الوجود وينطلق كما تنطلق المياه، وكلما خفت صوت الضمير أو أسكت كلما سكن الهواء وغارت المياه فهوت العدالة أمام الظلم وسقطت الديموقراطية أمام الدكتاتورية.
ويبـدو أن الأجواء توفرت في فلسطين خلال الانتخابات الأخيرة فتحقق قدر كبير جداً من الديموقراطية في حياة الناس ليختاروا، وقام فريق من المراقبين الدوليين لا يقلون عن سبعمائة شخص بقيادة رئيس أمريكي سابق "ديموقراطي" ينال قدراً من الاحترام والتقدير لدى الكثيرين وأفلتت العملية الانتخابية من مراوغات الكثير من الراغبين في إفسادها بالتأجيل والتأخير أو حتى الإلغاء.
واختـار الشعب الفلسطيني ممثليه في المجلس التشريعي فجاءت حماس خياراً فلسطينياً صافياً نقياً بعيداً عن أي صناعة أجنبية أو مماحكات محلية، بل هي تعبير دقيق عن ضمير شعب يريد أن يتنفس الحرية ولو كانت حمراء قانية وهذا ما يمارسه في أكثر الأحوال، جاءت حماس بعد اثنين وعشرين شهراً من اغتيال مؤسسها الشيخ أحمد ياسين على يد الغدر الإسرائيلي بقيادة شارون والخيانة الفلسطينية بقيادة العملاء، وبعد اثنين وعشرين يوماً من دخول شارون غيبوبته الطويلة، وكأن للأقدار حساباتها الدقيقة وأسرارها العميقة.
فاجـأ الفوز كثيرين ــ أو هكذا تظاهروا ــ لكن حماس كانت فازت قبل ذلك بسنتين في انتخابات بلدية كثيرة واختار الفلسطينيون في كثير من المدن ممثلي حماس وكانوا يبررون أسباب الاختيار بأن هؤلاء الممثلين كانوا يتلمسون حاجاتهم ومطالبهم ويسعون في تلبيتها فتحولت حياتهم إلى الأفضل والناس في الغالب يبحثون على المدى الطويل عن الحياة الكريمة بشرف، ومن هنا فالادعاء بأن النتيجة كانت مفاجأة هو بحد ذاته المفاجأة لأن القائلين بها إما أنهم لا يقرأون النتائج أو يتناسون ما يقرأون.
جــاءت حماس في الوقت الذي تطالب فيه الإدارة الأمريكية أن تنعم شعوب المنطقة بالديموقراطية، وهو مطلب جميل يداعب النفوس التي جبلت على حب الحرية والموت في سبيلها فكيف إذا جاءت هذه الحرية عبر انتخابات نزيهة شهد لها فريق كبير بقيادة رئيس كبير، إنها إذن ديموقراطية أصلية غير مزيفة، عادلة غير جائرة، نزيهة غير مشوبة بالغش والتحايل والتزوير، ومن حق الإدارة الأمريكية أن تفرح بها وتسعد لأن سياستها بدأت تؤتي ثمارها في أن يختار الناس لأنفسهم بعيداً عن أية ضغوط أو ممارسات جائرة.
هــذا ما ينبغي أن يكون عليه حال الإدارة الأمريكية بل كان يتوقع منها ــ إن كانت صادقة ــ أن تصدر بياناً تهنئ فيه الشعب الفلسطيني والسلطة على وجه الخصوص أن حققت نقاطاً عالية في مقياس الديموقراطية ربما يفوق المقياس الذي حققته الإدارة الأمريكية الحالية في بعض انتخاباتها، وأن تذيل بيان التهنئة هذا بالطلب إلى حماس أن تمارس تهدئة وضبط أعصاب وأن تضرب مثلاً رفيعاً في الإدارة والسياسة والتعامل مع الأحداث.
لقـــد كان أول رد فعل لها هو الإنكار وعدم الاعتراف والتهديد بإيقاف المعونة بل والتجاوز إلى إيقاف المعونة عن الأمم المتحدة والتشنيع على النتيجة وتهديد الرئيس الروسي لدعوته ممثلي حماس إلى زيارة موسكو إلى آخر القائمة الطويلة من هذا الذي كان يخرج به أو يتناوب الخروج به المتحدث الرسمي للبيت الأبيض أو لوزارة الخارجية.
وينـظر المرء إلى التصريحات الصادرة من جهات عديدة فلا يجد قريباً من تصريحات الإدارة الأمريكية إلا تصريحات محمد دحلان ومن هم على شاكلته وبعض الساسة العرب، ويجد على الجانب الآخر تصريحات معتدلة من أمثال موفاز في الإدارة الإسرائيلية، وهي تناقضات تكشف عن حجم المفاجأة عند كل طرف من الأطراف، بل إن الحكومة الإسرائيلية التي أوقفت دفع الضرائب التي تجنى لصالح الفلسطينيين تراجعت عن قرارها ووعدت بدفعها، وأثبتت أن في الإدارة الأمريكية صهاينة أكثر مما في إسرائيل نفسها، وأنهم يسعون إلى أن يفرضوا على حماس ما فرضوه على أبو عمار ــ رحمه الله ــ فقبل به ثم خذلوه واتهموه بأنه ضد السلام ورفضوا استقباله في البيت الأبيض، وكذلك فعلوا مع "أبو مازن" وعلى حماس ألا تقع في هذا الفخ أبداً.
إن المعونة التي تقدمها الحكومة الأمريكية لا تتجاوز خمسين مليون دولار سنوياً، بينما تقدم الجمعيات غير الحكومية في أمريكا ثلاثمائة مليون دولار، وتبلغ الضرائب التي تقتطعها الحكومة الإسرائيلية ستين مليون دولار شهرياً، وإيقاف ذلك لا يمس حماس بحال من الأحوال إنما هي عقوبة للشعب الفلسطيني فالمعونات والضرائب تصرف على الاقتصاد الفلسطيني، وهو ما يكشف عن السقوط الأخلاقي الكبير الذي تعاني منه الإدارة الأمريكية التي تصرف مئات البلايين على حروب إبادة في العراق وافغانستان بل وفي فلسطين وتمتنع عن خمسين مليون دولار في السنة لشعب محاصر محارَب.
أمـام المسلمين ــ وحكوماتهم بالذات ــ فرصة ثمينة للاستثمار في حماس باعتبارها ضمير الشعب الفلسطيني واختياره أن تقف معها وتشد من أزرها وتهيء لها سبل النجاح والتفوق وتمنحها العمق المالي والسياسي والدولي والشعبي إذا أريد للإرادة أن تقول كلمتها في موقف سهل ميسور، ذلك أن حماس نتاج ديموقراطي على الطريقة الغربية وهي جاءت ببرنامجها الانتخابي فليس لأحد أن يجبرها على التنازل عنه أو إسقاطه لمجرد أنه لا يوافق هواه.
أمـا الخمسون مليون دولار أمريكي التي تعلن الإدارة الأمريكية عن إيقافها وتهدد بذلك صباح مساء، فإن طلاب مراحل التعليم العام في بلد عربي واحد ولنقل السعودية قادرون على تغطيتها مرات، فلو اقتطع (20%) من طلاب المملكة (20%) من مصروفهم اليومي لاستطاعوا بإذن الله أن يقدموا لإخوانهم في فلسطين أربعة أضعاف هذه المعونة !! وبالإمكان الاكتتاب بها في مشاريع صحية وتعليمية وبنية تحتية تحت إشراف منظمة الصحة العالمية، وبرنامج الغذاء العالمي ومنظمة اليونسكو، وفي ذلك تدريب على ممارسة الحرية ودعمها، وفي ذلك تبنيه للإدارة الأمريكية على أن ثمن الديموقراطية غال جداً، ويستطيع الناس أن يدفعوه إذا عجزت هي عن الوفاء به.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011