عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
إنه الفساد
الوطن في 8/1/1427هـ - الموافق 6/2/2006 م

هـذا الموضوع لا تصلح الكتابة عنه الآن بحال من الأحوال، فلا تزال الجثث طافية على سطح الماء، ولا يزال الناجون يعانون آثار الكارثة، ولا يزال المسؤولون يلتقطون أنفاسهم لاهثين وراء أسباب وتبريرات لما حدث، ولا يزال ذوو المفقودين والأموات تعتصرهم آلام الحسرة والمأساة التي هي صورة متكررة لما نعاني منه في قطاعات شتى من حياتنا كل يوم خصوصاً في عالمنا الثالث.
لكـــن هذا الخيال صعب المراس بليد الإحساس إنه يطوف بك بين مواقع شتى بدءاً من الشرارة الأولى في قاع السفينة ومخاوف الناس وتتابع الفصول والرجاءات التي تتصاعد بالعودة إلى ميناء المغادرة وإصرار القبطان على مواصلة الرحلة وأن الأمر سهل لا يستدعي القلق وإنما هو حريق بسيط سوف تتم السيطرة عليه، ثم جنوح السفينة إلى اليمين في لحظة احتضارها وهو يطلب إلى الركاب الانتقال إلى الجانب الأيسر حتى يحققوا لها التوازن بدون حتى تزويدهم بستر النجاة التي هي أبسط وأقل الحقوق للركاب حسب معايير السلامة الدولية، في مشهد يقطر سخرية وألماً وحزناً ودموعاً.
ويجنـح بك الخيال كما جنحت السفينة في هذا البحر المخيف المفزع، لكن البحر هذه المرة لم يكن مصدر الخوف والفزع، بل كان الفساد الذي ضرب على قلوب كثيرة وأسماع كثيرة وأبصار كثيرة ولا يزال، فأصبحت تقدم أرواح البسطاء وقوداً لمطامعها ومطامحها، فالبحر لن يمنع السفينة من الإبحار وهي غير مستوفية لشروط السلامة إلا إن كان بحراً أوروبياً أو أمريكياً أو يابانياً ... !!
يجنـح بك خيالك شرقاً وغرباً، وترى أن مالك السفينة عضو مجلس الشـــورى المصــري يملك ثلاثـــة عشراً تابوتاً كل واحــد منــها مؤهل لحمـــل ما يزيد عن (2500) مرشح للغرق في أي لحظة من ليل أو نهار، ولكنه العضو المصون يمارس المهنة من قلب ضمير الشعب، في الوقت الذي يعلم أن العلم البانامي الذي ترفعه "السلام 98" ليس حصانة وحده، ولا الشهادة التي حصل عليها من شركة إيطالية تلاحقها القضايا في شهادات زور سابقة، ويعلم جيداً أن أجهزة الاستغاثة في "السلام 98" لا تعمل، وأن "لويدر ريجستر" تعلن بأن السفينة لا تستوفي شروط السلامة ولا يسمح لها بالإبحار بين الموانيء الأوروبية وأنها سفينة في خريف العمر مضى عليها قرابة أربعة عقود من الزمان !!
ويظـــل الخيال في جنوحه بين مجلس شورى في شرق بؤرة الموت وغربها، ماذا ستفعل هذه الحادثة في وجدانات أعضاء المجلس المحترمين؟! وهل ستطلب بكل نزاهة واستقلال وحياد وغيرة على أرواح مواطنين من هنا وهناك أن يكون نظام النقل العام الجوي والبري والبحري والسكة الحديد خاضعاً لمعايير دقيقة وصارمة حسب المعايير الدولية المتعارف عليهاحتى لا يقامر بعض الأعضاء بأرواح البسطاء ؟ وقد يجد أعضاء غيورون في المجلسين أن يشترطوا ركوب أقارب مباشرين لذوي المسؤولين الذين يملكون أو يشرفون على وسائل نقل عامة في هذه الوسائط بصفة دائمة حتى يقللوا من جنوح السفن ومن تقادم الطائرات ومن سوء خدمات المرافق الأخرى، وهـذه شروط تعجيزية ولكنها تحمل من الأفكار ما يسمح لكثير من هؤلاء المقامرين أن يتأملوا قليلاً، فبعض التأمل يصرف عن فكر آخر أشد ضرراً.
ولأن الخيال لا حدود له فقد يذهب بنا بعيداً لنتخيل أن هذه الواقعة حدثت ــ وما كان لهذه السفينة أن تبحر هناك ولكنه الخيال ــ بين اليابان وكوريا وتحمل مواطنين من البلدين عندها لن يتسع الخيال إطلاقاً لما يمكن أن تسفر عنه هذه المأساة من توابع زلزالية من استقالات أو إقالات أو انتحار وزراء وكبار مسؤولين ومن تشريعات تبعث روحاً نقية في حياة النقل وحياة الناس وحياة الأنظمة التي تحكم الناس والحياة.
ربما لن يخرج عليك وزيراً مثل وزير النقل المصري ينفي بكل قوة وتأكيد شهادة شهود عيان من الناجين من الركاب ــ وهي مجرد شهادة ــ رأوا فيها القبطان يغادر السفينة إلى أحد قوارب النجاة، وقد أدى المهمة على خير ما يرام وأطعم الأسماك الجائعة في تلك الليلة الشتوية وجبة طازجة من لحوم الأطفال والنساء، لأنهم كانوا أمانة في عنقه وفي عنق مسؤولين كثيرين من ورائه وقادة آخرين من فوقهم !!
ثــم تجد نفسك مضطراً إلى أن تعيد خيالك إلى حدود الواقع فترى أن الواقع أليم يبعث على الحسرة: وفيات حوادث السيارات في السعودية ومصر من أعلى النسب في العالم وهؤلاء هم الذين يتوفون في الحال ومن يلحق بهم في المستشفيات كثيرون، وقطار الصعيد يشكو إلى أخيه اليتيم في الدهناء حالاً مخيفة مفزعة مع أن الإثنين ينتميان إلى العصر الحجري في تقنيات السكة الحديد.
ومـاذا عن النقل الجوي، إنك تنظر إلى نجاح يتحقق لأساطيل ليست بعيدة عن ناظريك لدى جيران أقل فرص انتشار وأقل زبائن أسفار، وتود أن ترى شيئاً يسيراً يقترب من المعشار أو أقل لما أنت فيه، فتسمع كثيراً ولا ترى شيئاً في الأرض أو الجو وتمني النفس بأحلام قد يعجز الواقع أن يأتي بشيء منها، ولكن خيالك ينقلك إلى "أبها" ذات يوم حيث طائرة "الجولف ستريم تو" ذات الخطوط الخضراء التي ظل الطيار يعالج باب عفشها لمدة ساعة كاملة حتى أصلحه ــ كيفما اتفق ــ وحين أطل بوجهه البشوش قال: إن هذه الطائرة لا يسمح لها بالإقلاع في أوروبا، وتعجب كثيراً حين ترى أن للموت رجالاً من نوعية خاصة حتى وإن كانوا يحملون آخرين إليه لكنهم يمارسون مهامهم مبتسمين بشوشين ربما لأنهم لا يملكون غير ذلك أو لا يحسنون غير ذلك.
إنـه نداء صادق أمين إلى القادة والمسؤولين في بلادنا العربية العزيزة على نفوسنا أن نقطع عهداً مخلصاً جاداً وعملياً بإصلاح هذه الأوضاع التي باتت لا تخفى ولا تغيب حتى على الشخص العادي البسيط ... فلنبدأ بخطط إصلاح عملية شفافة، وواضحة، ومعلنة وذلك لجميع وسائل وإجراءات النقل العام سواءً كانت برية أو بحرية أو جوية.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011