عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
استدعاء السفير السعودي .. وما بعد
الوطن في 29/12/1427هـ - الموافق 29/1/2006 م

جــاءت خطوة الحكومة السعودية باستدعاء سفيرها في الدنمارك لتتجاوب بشكل مباشر مع التفاعل الشعبي لمواطني المملكة تجاه التطاول على مقام رسول الله ?، وهي بذلك تحقق أهم سمات التلاحم الذي يجب أن يكون بارزاً في شؤون حياة مجتمع سوي سليم، ثم خطت الحكومة الكويتية نفس الخطوة على أمل أن تتحرك بقية الدول الإسلامية في نفس الاتجاه.
ولا يقول قائل إن الخطوة جاءت متأخرة أو يظن أحد أن تفاعل المواطنين مع الإساءة لم يكن بالقدر الكافي أو السرعة الكافية، فربما أعطيت الصحيفة والحكومة والعاقلون ــ إن وجدوا ــ هناك من الوقت ما يكفي لتصرف يناسب الجريمة التي ارتكبها رئيس تحرير صحيفة غير مسؤول وغير مسؤولة، ولكن يبدو أن الحقد أعمق من الوصول إليه بالوقت والحوار.
وحتـى يوم أمس ــ السبت ــ لا يزال رئيس التحرير على إصراره وعناده بأنه نشر ما نشره حتى يخرج "الرسامين الفنانين من الرقابة الذاتية التي اختاروها لأنفسهم في التعامل مع قضايا تتعلق بالإسلام"، فهو يؤكد حتى يوم أمس موقفه الذي دفعه إلى إعلان مسابقته لهم بأن ينالوا من الرسول ? ، مما يعني مضاعفة الجهود في المقاطعة الشعبية والرسمية لأن الصحافة ــ شئنا أم أبينا ــ صانعة مواقف ومؤسسة ضمير عام، ومن هنا فلا صحة لموقف الحكومة الدنماركية أن هذا يخص الصحافة، وأنها لا تريد أبداً أن تتدخل في ذلك.
ولـو أن رئيس تحرير صحيفة هامشية في إحدى البلاد المسلمة وليست أكبر صحيفة دنماركية تناول برسوم كاريكاتيرية رمزاً دنماركياً عادياً غير مقدس، لسعت الدنمارك في التأليب والتحريض واستنجدت بكل القوى الأوروبية والأمريكية حتى تنال هذه الصحيفة والحكومة التي تصدر فيها العقاب المناسب.
كيــف والأمر يمس مصدر الرسالة ورمز الإسلام كله وأول أركانه الخمسة وصاحب المقام المحمود وشفيع الخلق كلهم والأمين على الوحي العظيم، وفي رسومات تنعته بجريمة العصر "الإرهاب" وتحفز الصحيفة الرسامين على التنافس في إظهاره ــ عليه الصلاة والسلام ــ رمزاً للعنف والإرهاب والجريمة، والله سبحانه وتعالى يصفه بأرقى الصفات وأنبلها ?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ? ?وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ? .
إن كل منتــج دنمركي يصبح هنــا حرامـاً على نفـس تؤمن بقولــه تعالــى ? وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ?، وهو الحرام الذي ربما يتعدى كل حرام لأن الخطوة ربما تبعتها خطوات أشد جرأة وتطاولاً من الصحيفة نفسها أو غيرها، ومن البلد نفسه أو غيره، والحكومة التي تدعي العجز أمام حالة كهذه إنما هي متواطئة لا عاجزة، والشعب الذي لا يحرص على مصالحه أمام أدعياء حرية نشر وإدعاء رئيس تحرير جاهل بقيم الحياة الكبرى حين يتطاول متكئاً على الدستور والأعراف الدولية قائلاً ــ وأيضاً ــ يوم أمس "ما فعلناه، فعلناه في إطار الدستور والقانون الجزائي الدنماركي والأعراف الدولية".
ماذا عن الاحترام؟ .. احترام الأديان، واحترام الشعوب واحترام المقدسات واحترام الاقليات واحترام المواطنين، إذا كان الدستور الدنماركي يفتقد هذا المضمون الجميل فأولى بهذا الشعب والقائمين عليه أن يعرفوا ذلك بكل طريق ممكن، ولأن الناس لا يملكون اليوم إلا احترام أنفسهم دون إجبار الآخرين على ذلك، فليس أقل من مقاطعة صارمة بكل أشكالها السياسية والاقتصادية والسياحية والتركيز في الوقت نفسه على تواصل ثقافي يرفع لديهم درجة الاحترام الذي يعني في أبسط أشكاله عدم انتقاص غيرك في أي شيء يمسه من ملبس ومأكل وتصرف ودين، فكيف إذا اخترت أقدس ما لديه وسعيت في إهانته والنيل منه.
وحيـن شكا رئيس التكتل الاقتصادي الدنماركي إلى رئيس تحرير الصحيفة احتمال خسارة مبيعات إلى الشرق الأوسط تصل إلى (816) مليون دولار سنوياً، طالباً إليه الاعتذار رفض متعللاً بدعوى خسارة أجيال لحرية الصحافة، ولكن حين تنمو الدعوة إلى المقاطعة بين جميع المسلمين حيث كانوا وليس في الشرق الأوسط فقط، فسوف تكون هنالك تبعات تحافظ على حرية الصحافة المبنية على القيم والأخلاق واحترام الآخرين، وتسقط صحفيين يدّعون حرية منحرفة وقيماً حاقدة وأخلاقاً مضطربة.
إذا كان رئيس التحرير هذا ومن وراءه من رجال الحكومة يملكون من الشجاعة وحرية الصحافة واحترام النفس حداً أدنى فليفتحوا في صحيفتهم باباً للنقاش الموضوعي الحر حول "المحرقة ــ الهولو كست" وإتاحة الفرصة لأصحاب الآراء كي يدلوا بآرائهم وهي قضية أوروبا وحدها، وليست مقدسة إلا عند من يملكون المال والقوة معاً، بل إنها ليست قضية الإنسانية في شيء وإنما هي إفرازات أخلاق هي الآن نفسها في ذهن ووجدان رئيس تحرير هذه الصحيفة ورئيس الحكومة الذي رفض حتى أن يستقبل وفداً من المسلمين ليبثوه همومهم وآلامهم فقط.
أما بالنسبة للمسلمين جميعهم فيجب استثمار هذا الموقف في تجديد حبهم لرسولهم وممارسة الدفاع عنه وتربية أولادهم وعائلاتهم على الالتزام بمنهجه وتعريف من حولهم به، هذا الإنسان الذي احتل المرتبة الأولى بين أهم شخصية في تاريخ البشرية كلها في ذهن كاتب أمريكي حين كتب كتابه عن أعظم مائة إنسان، وهي فرصة أيضاً في أن ننظر إلى غيرنا بكل وعي، ففي الغرب رجال منصفون ومؤسسات إيجابية يمكن التكاتف معها أمام أعداء الوحي الإلهي وأعداء أنبياء الله جميعاً من آدم عليه السلام مروراً بإبراهيم وموسى وعيسى حتى محمد عليه الصلاة والسلام، وهي بعد ذلك كله وقبله فريضة جهاد، والجهاد ليس سيفاً ورمحاً فقط بل هو أهم من ذلك: فكر وثقافة واقتصاد وحوار وحياة بطولها وعرضها.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011