عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
ما دون الاقتتال
الوطن في 27/11/1427هـ - الموافق 17/12/2006 م

أكبــر خدمة يحظى بها بوش وعصابته وتحظى بها إسرائيل أن يجدوا من يتبنى استراتيجيتهم في بث الفرقة بين أصحاب الحق المظلومين المغتصبة بلادهم الساعين في تخفيف حدة المعاناة لهم ولأسرهم ومواطنيهم، ولذلك كانت إسرائيل والإدارة الأمريكية أول المرحبين بإطلاق رئيس السلطة الفلسطينية الدعوة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية جديدتين على أساس الاحتكام إلى الشعب الذي هو مصدر السلطات وصاحب الكلمة، وإليه يرجع أمر هذه الأزمات.
والواضــح أن الذي حصل هو مصادرة حق الشعب الذي مارس حقوقه في انتخاب من يمثلونه، ولكن المتربصين سعوا في إفساد هذه الانتخابات بحرمان الحكومة الفلسطينية من القدرة على ممارسة أعمالها بشكل طبيعي، فمنعوا كل أشكال المساعدة وتوعدوا من يقدم للفلسطينيين شيئاً : أي شيء، وما اكتفوا بذلك بل إنهم لم يجدوا بادرة انفراج أمام جهود من الحكومة الفلسطينية أو الهيئات الدولية أو أصحاب الخير من ذوي التوجهات الخيرة إلا وأعلنوا أنهم لن يوافقوا على أية مساعدة تحت أي غطاء وباسم أي كيان.
وكــان أشد الملتزمين بتطبيق قرارات الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية هم أهل الجوار والقربى، لأنهم في إذعانهم واستجابتهم يثبتون أنهم مع التوجه الدولي وفي إطار الالتزام الدولي وغير خارجـــين على الإجماع الدولي ... !! وينسون أن ...... الدولي إنما هو الوهم الكبير والبضاعة الفاسدة التي استطاع القرصان أن يعلنها شعاراً وأن يرفعها عصاً فوق رؤوس الذين يحلو لهم أن يحنوا الرؤوس أمام مثل هذه المسميات التي تشبه الظلال التي تصنعها أشعة الشمس تحت أشجار الصحراء، وإلا فأي مبرر يستند إليه هؤلاء في تجويع شعب وقطع معونة عن أناس تمارس ضدهم كافة أشكال المطاردات بالقتل والسجن والتجويع.
والقضيــة التي يتساهل الكثيرون معها أفرزت قضية ربما تكون أكبر بكثير حين تنحسر أغشية التضليل والإيهام، إن العراق ربما يتجاوز حدود المأساة الفلسطينية بكثير لأن الشعور بالأمان القاتل الذي يحسب بعض الناس أن النار الزاحفة لن تصل إليه سوف تأتي على أوهامه فتحرقها فتنكشف له المساحات التي كان يغطيها القش والجذوع البالية، وإلا فأي ضمير يبرر لصاحبه أن يوقف مساعدة واجبة في رقبته لمسلم أخ له يبيت يمزقه الجوع والعطش والمرض والخوف والتهديد ثم ينام قرير العين هانيء البال ليستقبل يوماً جديداً يمارس فيه استخفافه ولا مبالاته وموت ضميره، إنها المصيبة التي عليه أن يدفع ثمنها غالياً لأنه انسلخ من صفة الإيمان وتنكر لقيمة الإسلام الذي يدعو إلى الخير والبر.
وحيــن أعلنت الجامعة العربية قبل شهر أنها لن تصغي لإملاءات الإدارة الأمريكية رفع الكثير من المخلصين رؤوسهم عالية أمام هذه الأريحية والنخوة في انتشاء يبشر بأن أمة تعرف واجبها تستحق فعلاً أن تحظى بالتقدير والاحترام، ولم يكونوا يدركون أنما هي لوازم التخدير التي تقتضي من حين لآخر اختبار الجسم المخدر أنه واقع تحت التأثير وأنه يستجيب له بشكل تام، وإلا فأين الثمرة التي أنتجتها تلك النخوة الكاذبة، لقد ازدادت المعاناة الفلسطينية سوءاً وخرجت التقارير تحذر وتنذر بسوء الوضع المعيشي من الناحية الصحية والبيئية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية، ولكن النخوة المفتعلة إنما هي لحظة عابرة ثم تتركنا إلى أن تنشأ حاجة إليها في يوم من الأيام فتستحضر لاختبار.
وفــي الوقت الذي ينجح فيه القادرون على خنق الشعب المكلوم المظلوم ينهض آخرون من القادرين على إثارة الفرقة والبلبلة والصراعات حتى يقتتل الأهلون والإخوة والأقارب فإذا سالت الدماء وفغرت الجراح عن أفواهها وانتشرت الأحقاد في القلوب والنفوس فإن إسرائيل تتفرغ حينئذ لكسب مزيد من الوقت للقيام بأعمال تحقق لنفسها بها مدى بعيداً في زمان احتلال، ذلك أنها لا تزيد عن كسب الوقت في ليل احتلال وهي تعلم جيداً ويعلم من وراءها ومن حولها أن الاحتلال إلى زوال، وأن الظلم إلى نهاية وأن العدوان إلى هزيمة، وإلا فأين سجل التاريخ الذي لا ينسى كيف أن الشعوب لا يهدأ لها بال حتى تنهض من سبات وتنطلق إلى الغد المنتظر، ولم يبلغ عمر الاحتلال الصهيوني إلى الآن إلى أقل من ربع عمر الاحتلال الصليبي والتاريخ كتاب.
هــذا الاقتتال البغيض يجب أن يوقف فوراً وأن يسعى العقلاء إلى احتواء الأزمة مبكراً قبل أن تستفحل وتتجاوز حدود السيطرة لأن النتائج المترتبة عليها لن تكون محدودة بمدة بل ستكون زلزالاً مدمراً وأول المستفيدين منه الإدارة الغارقة في أوحال العراق والعدوان الغارق في دماء الأبرياء، والذين يحسبون أن الأمور السيئة يمكن أن تجد حلاً ذاتياً إنما هم الحالمون أو الواهمون أو أصحاب المصالح الذين لا مكان لهم ولا قيمة إلا حين لا يكون هناك استقرار ولا عدالة ولا حرية ولا أمة تحسن صناعة حاضرها ومستقبلها حتى تنعم الأجيال القادمة بحاضر أفضل وبتاريخ مشرف.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011