عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
تحية إجلال لهذا القاضي
الوطن في 5/12/1427هـ - الموافق 25/12/2006 م

الحيــاة سجن كبير يلتقي فيه المساجين ببعضهم البعض، ويعيشون حياة فيها الكثير مما ينتاب المساجين من الملل والشعور بالضيق والغربة والحسرة والتعلم من أخطاء الآخرين وحسناتهم والخروج أحياناً ببعض التجارب التي يستمد منها زاداً في مسيرة الحياة التي يتحقق الإفراج فيها حين يحصل الورثة على شهادة الوفاة، ويكون السجين خارج القضبان يعيش حياة من نوع آخر بحسب ما أعد لها من نوايا وأعمال وأقوال وحسنات وسيئات.
وقــد تقود الخطى في سجن الحياة الكبير هذا إلى سجن محدود المساحة والحركة عالي الأسوار والبنيان يلتقي فيه ساكنوه مع سجانيهم، كما يلتقي أصحاب الحياة ببعضهم في لقاءاتهم ومسامراتهم وأحياناً في تبرمهم وضيقهم ونفاد صبرهم، ولكن الذي يخرج ثانية من هذا السجن الضيق المحدود إلى سجن الحياة العام فإنه في أحيان كثيرة يخرج بشهادة وفاة من نوع آخر قد تَحُولَ بينه وبين كثير من الأعمال وأوجه النشاط التي يتمتع بها الآخرون تحت مسمى "سابقة"، وربما هي شهادة خبرة يستحق أن ينال بها أرفع الدرجات ويتبوأ أعلى المناصب باعتباره أخذ من التأمل والتفكير والعمل على تطوير نفسه وغيره وصرف الأوقات فيما يعود بالنفع على سجنه الصغير والكبير، وأكبر شاهد على هذا الأمر "يوسف" عليه السلام الذي غادر السجن ليقوم على خزائن الأرض ويغدو نموذجاً رفيعاً في الفكر والعمل والإنجاز والإتقان الذي عبّرت عنه آيات السورة في شكل مؤثر بليغ حين تتكرر بين جنباتها من حضاه "المحسنين" ما تتوق إليه النفس ويتعلق به الوجدان.
دارت هذه المعاني في ذهني وأنا أقرأ خبر إصدار قاضي في المويه حكماً على شابين بالعمل مائة ساعة لكل منهما لمدة شهر في تنظيف (26) مسجداً في البلدة، وكذلك دائرة الأوقاف تحت إشراف الشرطة والأوقاف ورأيت في الحكم كلمة بالغة وسنّة حميدة ومنهجاً إصلاحياً رفيعاً يضع من خلاله نظرة الذي يعيش وجدان مجتمعه وبيئته، فالعمل الخيري في ظل إشراف جيد يفتح للنفس آفاقاً واسعة من التأمل والبحث عن لحظات صفاء والغوص في أعماق المحفزات والمؤثرات والبحث عن جوهر الإنسان من خلال عطاء وبذل "لو لساعات محدودات، لأن العبرة هي بالأثر الذي يتركه العمل الطيب في النفس"، والذكر الجميل الذي تحصل عليه حين تجد أنه المكافأة التي يهديها إليها مجتمعها.
كمــا طافت في ذهني وأنا أقرا الخبر في انتعاش صباحي متهلل صور أولئك الشباب العشرينيين في أحد السجون الذي رأيت فيهم نضرة الشباب وحلاوة سنوات العمر ولكنها مكسوة بانكسار العنبر الطويل الذي كانوا يقطنونه ويتكدسون فيه، وانتابني شعور بالمرارة والحسرة حين سألت مدير السجن عن خبرهم فقال هؤلاء من الذين يتسورون المنازل فيصدر عليهم أحكام تعزيرية تتجاوز العشر سنوات، وهي فترة طويلة جداً جداً، وإن كان ينالهم العفو الملكي بحسب فتراتهم وسلوكهم.
ورأيــت من هؤلاء وغيرهم في السجن نفسه أعمالاً غاية الجمال في إبداعات أدبية ومسرحية وقرآنية وكمبيوتر، وممارسة عمل إنتاجي في الوان مختلفة من الإنتاج ورأيت أن في قيادات السجون كما في قيادات مرافق الحياة المختلفة من يجعلون من السجن مرفق إنتاج متطور مُحكم المعالم ومن يجعلون من مرفق الإنتاج سجناً مغلقاً مُحكم الإغلاق، إنها القدرات والطاقات وإيجابيات الحياة في سجنها الكبير أو الصغير، وإنها الرغبة في تحقيق إنجاز نافع مفيد.
بحثـت مع إخوة في القضاء وفي السجون وفي إدارات أخرى عن طريق يساعد على أن يكون هناك مكان غير السجن لكثير من الأحداث الذين يقعون ضحية إغراءات عابرة في براثن آخرين ممن لم يجدوا في السجون إلا غواياتها ومشكلاتها وكنا ننتهي في كل نقاش من حيث ابتدأنا لأننا لم نمتلك آلية العمل الذي يجعل الناس يحولون الأفكار إلى مشاريع تزخر بالحياة وتستمد منهم ما يعطونه لها من حيوية ونشاط.
وحيــن قرأت خبر هذا القضاء الجميل وإنجاز هذا القاضي الحكيم دارت في ذهني تلك المعاني من جديد ورأيت أن الخير يبدأ بخطوة أو تجربة أو عمل قام به من وفق إليه، ورأيت أن هذه التجربة في هذا الحكم تستحق أن يلتفت إليها إخواننا في مجالات شتى وأخص منهم المختصين بالاجتماع والنفس والجريمة والسلوك حتى يبحثوا في الإيجابيات التي يجنيها المجتمع من بث الذين أوقعتهم تصرفاتهم غير المتزنة في أمر ما ليعملوا في المجتمع وليعرفوا من خلال الممارسة أنهم قادرون على تصرف جميل يعود عليهم بالفائدة والثناء والتقدير، وأن يجنبوهم السجن إلا من كان طبعه لا يستقيم إلا في السجن ومن كان مزاجه لا يصلح له إلا أن يخلوا إلى نفسه يراجعها ويحاسبها ويقف معها موقف السائل.
هنـــاك من الجهات التي إن أرادت كان لها الأثر الكبير في نجاح هذا المشروع الوطني لتقويم السلوك ومنها الحرس الوطني في المناطق المختلفة، وكذلك الدفاع المدني والهلال الأحمر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أن يكون في كل مدينة ومنطقة مجلس يضم نخبة من المتطوعين الذين يسعون إلى استثمار هذه الانحرافات في تقويم يعود بالنفع على الشخص والمجتمع ويوفر على الدولة الكثير من المال والوقت والرجال طالما أن التطوع القائم على العلم والتجربة التي يمحصها العمل وتصقلها تجارب الناجحين قادرة على أن تعطي ثمرات تستحق من كل واحد منا أن يعمل من أجل أهله ومجتمعه.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011