عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
الإعدام والرسائل المعلنة
الوطن في 12/12/1427هـ - الموافق 1/1/2007 م

لــم يكن يناسب صداماً إلا أن يعدم بالطريقة والتوقيت وبالأسلوب الذي اختاره له أعداؤه وخصومه من القريبين والبعيدين لأنه هو نفسه لم يكن عادياً إذ لم يكن مجرد حاكم عابر أو طاغية مكرر أو رمز يسهل استنساخه وتوزيعه، لكنه كان نسيج وحده في فصول حياته كلها من طفولته إلى شيخوخته ومن بدايته إلى نهايته وفي جميع مراحل حياته التي تصلح مجال دراسة وتمحيص وتأمل حتى تؤخذ العبرة وتستقى الحكمة، ومن ثم جاء الإعدام يوم العيد الكبير عالمياً في عصر القرية الصغيرة طائفياً في عصر الانقلاب الطائفي صارخاً في عصر الصورة الرقمية الحادة المعالم.
هــذا هو صدام وهذه هي العراق عموماً وهذه هي بغداد خصوصاً من أيام حمورابي إلى أيام الحجاج إلى أيام الرشيد ثم المعتصم ثم البرامكة والعلقمي، ثم هولاكو وكثيرون من قبل ومن بعد إلى صدام حسين الذي هو ابن العراق وحاكم بغداد التي يليق بها أن تكون دار السلام والزوراء وعاصمة أحداث العالم الخطيرة الكبيرة، هذا هو قدرها أن تكون شاهدة أحداث وشهيدة أحداث وتلك خصيصة المدينة التي ينبغي لها أن تكون محور صناعة أحداث العالم الكبيرة المؤثرة التي تبقى ذاكرة أجيال وذاكرة أحداث جسام.
طـ،ـويت بالأمس القريب صفحة صدام حسين لكنها طويت بسجل عظيم من الأسرار والأخبار والمواقف التي جاءت كلها مجتمعة في لحظات إعدامه لتقرأها أجيال قادمة ولتفسرها عقول تحتاج إلى أن تنظر إلى أحداث كثيرة صاغت الصفحة الأخيرة فجاءت في التوقيت والترتيب صفعة لطائفة من أهل العراق وصفعة للعرب عموماً وصفعة للحكام خصوصاً، وجاءت في التنفيذ وما أحاط به من إرهاصات واتفاقات وصفقات ما يحتاج كشفه إلى صحفيين متمرسين وعيون وآذان تخترق الجدران وتحسن التأمل والإنصات والتفسير والتحليل.
بعيــداً عن كل المنطق والعقل في كونه أسير حرب وكونه يخضع لقوة احتلال أسلمته إلى خصومه وكونه يخضع لقانون جنائي سطر المحتل بنوده ليكون القانون الذي يحاكم ويعدم بموجبه كما أراد المحتل وبعيداً عن كونه طاغية أشعل من الحروب ما أشعل وسفك من الدماء ما سفك، وأين الذي يخلو من ذلك من كثير من أقرانه وليس تبريراً أو اعتذاراً، لكن ما سر الزيارة الخاصة جداً لزعيم حزب الدعوة الإسلامية إلى البيت الأبيض قبل أسابيع قليلة جداً، وهو الحزب الذي صنع على عين إيران ولا يأتمر إلا بأمرها، وما سر إعلان حالة الطواريء في السفارات الأمريكية قبيل الإعدام وما سر اختيار يوم مقدس عند المسلمين سماه الله في كتابه "يوم الحج الأكبر" لتقديم الرجل أضحية يتسلى به أتباع إيران وأتباع الإدارة الغارقة في الصهيونية المسيحية.
تجـاوز الغارقون في ظلام الطائفية والتعصب المسيحي العرف الذي سار عليه العراق وألزمت بغداد نفسها به حتى في أيام حكم صدام من احترام المناسبات الدينية للمسلمين والنصارى فلا ينفذ حكم الإعدام في مناسبة دينية سواء أكانت رمضان أو الحج أو أعياد الميلاد ناهيك عن يوم هو يوم التضحية عند المسلمين بإراقة الدماء في سبيل الله ورجم الجمرات في المشاعر المقدسة، وهو عرف لا ينكره الذين اختاروا هذا اليوم تحديداً وللرجل نفسه تحديداً في ضعة المتشفين قائلين إنهم يريدون أن يسجل التاريخ هذا الإعدام في هذا اليوم بالذات لأن الشياطين ترجم هناك ونحن نرجمه ونشنقه هنا !!
ثــم إن الصور التي بثتها بعض القنوات على الإنترنت أثبتت أن مقام الإعدام كان حلبة تشف ونداءات طائفية طاغية جعلت من المكان حلبة منازلة في ظل قوات الاحتلال التي تملك كل شيء ولا يملك القائمون على تنفيذ الإعدام إلا تلك الصيحات التي تشهد على أنهم إنما يعبرون عن ضمير القابع على كرسي المحتل وهو يوقع بقلمه الأحمر في حين أعرض رئيس الدولة عن تصديق الحكم قائلاً: إن الحكومة تستطيع تنفيذ ذلك إن شاءت لأن الحاكم "بريمر" قد سلب منه حق إيقاف التنفيذ لو أراد.
كمــا أن تصوير الإعدام وبثه على ذلك النحو فيه مجافاة للضمير الحر وللإنسانية في أدنى مقاماتها، وهو ما يشي بالعجز الذي وصل إليه المحتل وأصحاب المراكز الذين بوأهم إياها، فلا يجدون إلا أن يثبتوا للعالم كله أن قوتهم مكنتهم من تقديم أضحيتهم على النحو الذي أرادوه وتصويره على الهيئة التي أرادوها ولكن الرجل فوت عليهم الفرصة حتى آخر لحظة فتقدم رافع الرأس ثابت الخطوة رابط الجأش حاد العينين ينطق لسانه بالشهادتين في عزة وأنفة أبعد بكثير عما كان يردده المستشار الأمني لرئيس الوزراء من أنه كان في غاية من الضعف لا تتصور، لتكشف الصور كذب المستشار وصغر عقله وضعة نفسه لأنه ينسى أن الصور سوف تبث ويراها الناس كلهم أين كانوا مما أجبره على التراجع عن كذبه وزوره .
وفـوق ذلك كله فقد كان إعدامه جريمة كبرى بغض النظر عن التوقيت المخزي والأسلوب المخزي ذلك أن هنالك أسراراً وأخباراً تطوى بوفاته ومن حق العراقيين قاطبة ومن حق العرب والمسلمين ومن حق الأموات والأحياء أن يعرفوها منه ومن سواه لأن الحروب التي قامت كان فيها أطراف أخرى قريبة أو بعيدة تحتاج إلى كشف وبيان حتى يقول التاريخ كلمته وتعرف الأمة حياتها ولا يموت أحد الشركاء فتدفن معه الأسرار والأخبار، ولذلك كانت المحاكمة وراء أبواب مغلقة خاضعة لمقص الرقيب في نشر ما شاء وحذف ما شاء ودعوة من شاء من الشهود واستبعاد من شاء، وطرد المحامين وخاصة وزير العدل الأمريكي السابق رمزي كلارك بحجة إهانة العراق حين ذكر أن المحاكمة والمحكمة سخرية كبرى، ثم السرعة إلى إعدامه لإخفاء جميع الأدلة . !!

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011