عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
صندوق الحج التطوعي للتنمية البشرية
الوطن في 19/12/1427هـ - الموافق 8/1/2007 م

فــي الحج منافع شتى من بينها استحضار الرحلة الشاملة من الحياة الدنيا إلى الحياة الباقية والتيقن أن ثوابت الفانية تتلاشى أمام لبيك اللهم لبيك والتجرد من كل علامات التمايز والتعاظم، فالكل سواء في اللباس والنداء والحركة والسكون والصعود والنزول والسعي والطواف والمبيت والرمي ولا يختلفون إلا فيما يكنه كل واحد منهم داخل نفسه وما ينعقد عليه قلبه من خشوع وتبتل وانقطاع واستشعار لعظمة المكان ورهبة الموقف وجلال المناجاة واستحضار التاريخ القريب والبعيد وهي جوانب لا يعلمها إلا العليم الخبير، حتى وإن ذرفت العيون وانحنت الرقاب وعلا الخشوع الوجوه والأبدان.
ومــن منافع الحج السفر وما في السفر من تعارف بين الناس والكشف عن كثير من الجوانب الخفية للصديق والرفيق والعشير والأليف إذ تتبين المعادن في السفر وتزول الغشاوة ويكشف المظهر عن المخبر والمعدن عن جوهره، كما أن في الحج تبادل أفكار ورؤى ومكاشفة هموم وغموم وتطلع إلى غد أفضل عبر التجارب الناجحة للأفراد والجماعات وهو ما حدا بالحكومة الروسية قبل أكثر من قرن وربع من الزمان إلى أن ترسل في موسم الحج من يتعرف على مجريات الأمور ورسم خارطة للأفكار والتطلعات والنقاشات التي تدور بين المسلمين في موسمهم هذا ويدل على ذلك كتاب "الحج قبل مائة عام" لمؤلفه الروسي النقيب عبدالعزيز دولتشين .
وفــي الحج اقتصاد وتجارة وفيه إدارة واستثمار وفيه تنظيم وتخطيط وفيه وجدانات وخيالات، ذلك أنه موسم لا يقتصر على الأيام المعدودات ولكنه يتجاوزها إلى الأشهر المعلومات لما فيها من إعداد وتحضير وعمل دؤوب في عالم يتغير ويتطور ويأخذ أبعاداً جديدة من حين إلى حين، وهو بذلك يشكل تحدياً لمن أرادوا أن يتقنوا أداء هذه الشعيرة والإتقان أو الإحسان هو فريضة كتبها الله على عباده كما قال سبحانه وتعالى : ?وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ? ، وكما بيّن ذلك النبي ? "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" .
ومــن الملاحظ أن أعداد الحجاج لا تظهر بصورة دقيقة يمكن التقريب فيها بالآلاف أو بعشرات الآلاف بل إن الإحصائيات تتراوح في الفرق بين الحد الأدنى والأقصى من المليون إلى المليونين وهي أرقام عالية جداً، ومن الملاحظ أيضاً أن هناك الكثير من الحجاج الذين يكررون حجهم كل عام متجاوزين في ذلك الفترة الزمنية المسموح بها نظاماً وهي خمس سنوات وقد يرتكب البعض مخالفات شكلية ولكن فيها من التزوير في التصاريح أو الكذب عند المعابر أو التحايل ما لا يرضى به ضمير غير غافل، وما قد يدخل على الحج شبهة عدم البر فينتقل من حج مبرور إلى حج مأزور إن خالطه شيء من عدم الصدق أو التحايل أو التدليس.
وأمــام هذه الحال فقد يكون من المناسب لهؤلاء الذين يبحثون عن البر ويتجشمون الصعاب في سبيل تحقيق ذلك أن يلجوا باباً واسعاً من أبوابه إن كانوا جادين في نفع ينالهم ثوابه ويتحقق به حياة كريمة لإخوان وأخوات لهم في الدين تعضهم الحاجة بأنيابها ويفترسهم الجهل وتكاد تقصيهم عن دينهم وإيمانهم حياة قاسية مظلمة، إنهم أولئك المحرومون من التعليم والمحرومون من العمل الذين لا يستطيعون أن يحققوا للإسلام شيئاً في حياتهم وهو في حاجة إلى كل واحد من أبنائه للعمل من أجله، كما أنهم في حاجة إليه لاستنقاذهم مما هم فيه من بلاء وكرب وفاقة وجهل وجوع.
قــد نفترض وفقاً للأرقام التقديرية للحجاج أن هناك مليون حاج يكررون حجهم وأن متوسط الإنفاق في رحلة الحج لكل واحد هي أربعة آلاف ريال أي أن هناك ما يقرب من أربعة آلاف مليون ريال يصرفها هؤلاء في سبيل تحقيق أمنية المغفرة والرحمة، وقد تتحقق هذه بإذن الله إن قرر كل واحد من هؤلاء صرفها في سبيل تعليم مسلم أو توظيف مسلم أو تدريب مسلم والمقصود بالمسلم هنا المرأة والرجل والصغير والكبير والمواطن وغير المواطن، مبيتاً النية على أنه إنما يفعل ذلك أملاً في رحمة الله ومغفرته ورضوانه.
وقــد يتلمس مستوى أعلى من الإحسان فلا يكتفي بتقديم المال فقط وإنما يسهم بعمل فكري أو بدني أو تنظيمي في سبيل تحقيق هذه الغاية الشريفة ويسعى في أن تكون هذه الأمة في خلال عشر سنوات أقل جهلاً وأكثر فرص عمل وأعلى شأناً وأبعد عن العيش عالة على صدقات أعدائها المتربصين بها والساعين في رميها بكل زور وبهتان من أنها أمة إرهاب يوماً أو أمة تخلف يوماً أو أمة عدوان يوماً، ويقدم كل قادر من الرجال والنساء ما يخفف من معاناة شخص آخر مثله أو أكثر، وفي ذلك إنجاز كبير يتحقق من بين منافع الحج التي يشير إليها القرآن الكريم.
ولأن كل عمل من هذه الأعمال يحتاج إلى جهة تتولى القيام به والتصدر له وحيث أن رابطة العالم الإسلامي هي الجهة التي تمارس نشاطها في التأليف بين المسلمين وفي الدفاع عن قضاياهم وتنطلق من مكة المكرمة مهوى الأفئدة ومأوى المشاعر، وحيث أنها نجحت في تأسيس العديد من الهيئات التي حققت إنجازات متميزة في مجال خدمة القرآن الكريم، وفي مجال التربية وفي مجال الإعجاز العلمي وفي مجال الدعوة الإسلامية واحتضان المسلمين الجدد فإنها في رأيي مرشحة للقيام بهذا العمل الجليل تحت مظلة هيئة جديدة تختار لها اسماً يناسبها ويحقق في الوقت ذاته الغاية منها.
وكمــا أن النهر الجارف يبدأ ينبوعاً صغيراً، وكما أن السيل العارم يبدأ رذاذاً منعشاً، وكما أن العبقري الملهم يبدأ طفلاً صغيراً فإن الأمل كبير في أن تتحول هذه الفكرة البسيطة عبر اهتمام ذوي الإمكانات العالية والهمم الرفيعة إلى عمل كبير ينقذ الله به الملايين من المسلمين وتنتعش به نفوس صافية وقلوب مطمئنة ونرى فيه عملاً رائعاً من أعمال التكامل بين المسلمين من خلال الإنفاق تحت عنوان "حج عاماً واستتفذ إخوانك أعواماً " .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011