عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
هذا القائد المُـطاع
الوطن في 26/12/1427هـ - الموافق 15/1/2007 م

حيــن كان صدام حسين يواجه القضاة والادعاء في محاكمة الدجيل كثيراً ما يعلن أنه المسؤول عن هذا العمل أو ذاك وأنه يتحمل مسؤولية ما تحتويه الوثائق، ولم يكن في مرة يتهرب من التبعات أو يلقيها على غيره أو يبحث عن كبش فداء، ذلك كان الدكتاتور الذي مارس أخطاءه بصلف وعناد، وواجه عواقبها بمسؤولية وشهامة ثم نازل الإعدام بشرف وكبرياء فكان في جميع مراحل حياته الدكتاتور الذي يشبه السيف الذي يحمل في حديه جانبين متباينين ونقضين متصارعين: الحفاظ على وحدة العراق والارتقاء فوق ما فيه من طائفيات ومذهبيات وفي الوقت نفسه الانسياق وراء مظالم وفواجع كان أسلم له وللعراق ألا يقع فيها.
وحيــن كان جورج بوش الصغير يستعد لإلقاء خطابه الأخير حول استراتيجيته في العراق وهي التي ظل على مدى أسبوعين يعد الناس لها ويهيئ الأجواء لاستقبالها ويحشد لها ما استطاع من إرهاصات ومن مقدمات بما في ذلك إقالة وزير دفاعه ومندوبه في الأمم المتحدة وإعدام صدام حسين قبل بداية عامه الجديد حتى يثبت للناس أنه قد جاءهم بالفتح المبين، فإذا به دكتاتور يجهل ما يقدم عليه في ديموقراطية هي أبعد ما تكون عن الديموقراطية، ذلك أن الدكتاتور يعرف ــ في الغالب ــ ما يفعل، وأن الديموقراطية تسعى ــ في الغالب ــ إلى أن يكون الرأي العام هو صاحب الكلمة والموقف والقرار، حفاظاً على قيم كبرى يرى المجتمع الديموقراطي أنها توفر له الضمانات ضد استغلال الفرد أو القِلّـةُ السلطةَ والانفراد بالرأي والقرار.
بـذل المحافظون الجدد جهوداً كبيرة على مدى عقود متتالية في ترسيخ عقيدتهم السياسية ومنهجهم الفكري وحين هيأت لهم الظروف فرصة مواتية بعد انحسار المعسكر الديموقراطي وتغلغلهم في الأجهزة الحكومية الحساسة ومراكز الفكر كان لابد من الممارسة الفعلية والتطبيق العملي لما يؤمنون به من الحكم بالحديد والنار والهيمنة على العالم واعتساف السلطة على نحو يحقق لهم ما كانوا يحلمون به على مدى سنوات طوال، وكانت ضالتهم في رئيس دمية يكتبون له فيلقي، ويعبئونه فينطلق، ويجندونه فيعلن الحرب والنصر أيضاً إما قبل بداية الحرب أو حتى حين يرى الناس الهزيمة ماثلة للعيان، طالما أنه حين يفرغ من مؤتمره الصحافي أو خطابه ويعود إلى مكتبه يجد من يصفق له ويثني عليه.
لــم يصغ إلى رأي الشعب الأمريكي الذي يخرج كل يوم في الصحافة واستطلاعات الرأي والمظاهرات والشاشات ينتقده ويستنكر ما أوقعهم فيه وما عرّضهم له من قتل وإخفاق وإنفاق لأموال طائلة وسفك لدماء أبرياء واعتقالهم، ولم يصغ لمنظمات مدنية وحقوقية في الصحافة والسياسة وحقوق الإنسان ولم ير تعبيرات وجهه التي تفضح حقيقة ما يشعر به من معاناة بين رأي حر تسوقه الآراء المستقلة وبين مؤلبين تدفعهم الأجندات الشخصية والسرية، ثم جاءت لحظة الخلاص حين خرجت لجنة بيكر ــ هاملتون بمقترحاتها التي كان من الممكن أن يعهد بها إلى فريق من المخلصين من الحزبين للعمل على استخلاص الممكن منها بالتشاور مع أهل الخبرة والحكمة والنزاهة في المنطقة هنا.
لــم يفعل شيئاً من ذلك وإنما استسلم لهوس الفريق الضيق من حوله وخرج بما خرج به، ولكنه لم يسلم من نقد قاس ولم يسلم من تهديد من الميلشيا التي أهدته إياها إيران في العراق لتفتك بالسنة والشيعة الذين لا يريدون عراقاً آمناً معافى، وخرج المتحدث باسم جيش المهدي في هيئة الإذاعة البريطانية متوعداً هذه الزيادة العسكرية المقترحة بالقضاء عليها وموضحاً أنهم إنما كانوا يمارسون مع الأمريكان من قبل تمرينات خفيفة !!!
وحتـى يطمئن المالكي وحكومته أو أنه ومن حولها طبخوها معهم أعلن عن عمليتين مشتركتين مع القوات العراقية في شارع حيفا ببغداد وفي الفلوجة بالأنبار قتل في الأولى خمسين مسلحاً وفي الثانية سبعة وأربعين كما يزعم !
والـذي قدّم العراق لإيران على طبق من ذهب سيجد صعوبة بالغة في السيطرة عليه أو الاحتفاظ به أو استعادته، والذي يهدد جيش المهدي عليه أن يتذكر أنه حين يتوسل أو يهدد المالكي بضرورة التصدي لجيش المهدي فإن مقتدى القائد العام لهذه الميليشيات هو نفسه من جاء بالمالكي، فمقتدى وحزبه هم المرجح الذي مكّن المالكي من رئاسة الحكومة وإلا لما وصل إليها، ولذلك كانت المكافأة هي تقديم رأس صدام صبيحة عيد الأضحى إلى مقتدى وميليشياته حتى يهتفوا شامتين حين كان يعدم ثم داروا حول الجثة راقصين بعد الإعدام كما تفعل القبائل المتوحشة في أدغال أفريقيا أو الأمازون.
واليــوم تأتي وزيرة خارجيته لتحذر وتخوف وتنذر الدول المعتدلة في المنطقة من أن عليها أن تدعم هذه الاستراتيجية علماً بأن الرأي العام الأمريكي والأغلبية في المجلسين في أمريكا ضدها بل يرون فيها مخاطر كثيرة وإغراقاً لأمريكا في حرب أبعد من تلك التي تحققت حتى الآن، وحين تأتي رايس فإنها لن تدخر جهداً في إقحام بعض الأبرياء أو غير الأبرياء في هذا المأزق إما بحجة استنقاذ العراق أو بحجة إبعاد إيران، وصاحب الذاكرة العادية يدرك أن بوش ومن حوله هم الذين مزقوا العراق، وأنهم هم الذين قدموه وقدموا غرب أفغانستان وربما عن قريب لبنان للغطرسة الإيرانية، وانظر اليوم إلى المالكي من غير استشارة بل في معارضة واضحة يعيّن ضابطاً غير معروف "اللواء عبود قمبر" فقط لأنه من رجال مقتدى قائداً عاماً لبغداد، مما يعني أن الحاكم الفعلي حينئذ هو جيش المهدي الذي سيعرف عن أي تحرك أمريكي عند التفكير فيه.
المنطقــة الآن تعاني من مخاضات مؤلمة وخطيرة، والتخاذل وغض الطرف عما يجري هو مشاركة كاملة لتمزيق المنطقة، وقد ثبت أن الجامعة العربية إنما هي عبء مالي وسياسي وإنساني على العرب، وأولو البصيرة والحرص على هذا الجزء الحساس من العالم مدعوون اليوم أكثر من أي وقت في التاريخ إلى صحوة أمام صراعات واضحة المعالم والقسمات لا يصلح فيها الصمت ولا تنفع معها المداراة، وعلى كل عاقل أن يسعى في لمّ الشمل وتوحيد الصف والبحث عن المخارج الحازمة الحكيمة من هذه المآزق التي قاد المنطقة إليها أحمق مُطاع أثبت أن الديموقراطية المخملية أحياناً أشد ضرراً وأكثر سوءاً من دكتاتورية فيها الظلم وفيها حماية البلاد.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011