عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
الجنسية من بوابة سفك الدم
الوطن في 4/1/1428هـ - الموافق 22/1/2007 م

تسـعى الدول المتحضرة إلى استقطاب أفراد ذوي إمكانات عالية في إضافة جماليات إلى الوطن الذي سينقل إليه جنسيته، وقد تتجاوز أحياناً فتسمح بازدواج الجنسية في سبيل كسب ولاء هؤلاء الأفراد ومنهم العلماء والأطباء والمحامون والمحاسبون والمهندسون والرياضيون البارزون وأصحاب الثروات الذين يمكن توظيف ثرواتهم ومدخراتهم في تعزيز الاقتصاد القومي، بل يصل الأمر أحياناً إلى تقديم امتيازات استثنائية لهؤلاء رغبةً في استقطابهم وحثهم على اكتساب الجنسية.
ومــن الملاحظ أن هؤلاء لا يحتاجون إلى هذه الوسيلة إلا حين لا تتوفر لهم الحياة الكريمة في أوطانهم أو حين لا يجدون الظروف المواتية لارتقاء سلم الموهبة والإبداع، حين لا تتوفر الفرص المناسبة لهم في البحث العلمي أو الممارسة التي تليق بإمكاناتهم وقدراتهم، وتصبح الجنسية الجديدة ضرورة من ضرورات الحياة يلجأ إليها الإنسان حتى يستطيع أن يحقق قدراً أعلى من قيم الحياة، والولايات المتحدة أكبر دليل على ذلك حتى أنها يطلق عليها في أوقات شتى "بوتقة الانصهار" لأنها تجمع أصنافاً متباينة من الأعراق والديانات.
وقبــل أيام نشرت هذه الصحيفة نقلاً عن "البوسطن چلوب" خبراً يفيد أن الإدارة الأمريكية تفكر في حملة عالمية لتجنيد الراغبين في القتال لحسابها في الجبهات التي لها فيها حروب ثم تقدم لهم بعد ذلك الجنسية الأمريكية، وهو أسلوب لجأت إليه الإدارة حين وجدت أن عليها أن تضيف أعداداً كبيرة من القوات إلى الجبهات في العراق وأفغانستان إضافة إلى أن احتمال المواجهة مع إيران إن بقيت الأمور كما تبدو للمراقبين على ما هي عليه، مما يعني أنها لن تتمكن من تلبية الاحتياجات إلا باللجوء إلى هذا الأسلوب الذي يبدو نشازاً، لأنه يحمل في طياته مفهوم الارتزاق.
لكــن المتابع لأداء البنتاجون في ظل الإدارة الحالية يجد أن حرباً من هذا النوع وبهذه الأساليب إنما هي ارتزاق من بدايتها، فليس من المعقول أن تسعى دولة تريد نشر الديموقراطية بالحديد والنار وباستخدام المعتقلات السرية والمعتقلات الطائرة والمستأجرة من دول أو حتى منظمات هي أقرب إلى عصابات الجريمة ثم تجد أن الديموقراطية هي ثمرة هذه الحروب والممارسات، وقد عقدت الدهشة التي صاحبت بداية الحرب والأدلة المصطنعة أذهان وألسنة الكثيرين حتى بدأت الحقيقة تظهر للعيان بعد ذلك في سقوط الأدلة وانتشار الممارسات.
هــذه الحرب وبهذه المواصفات وبشخصيات وتفكير وأساليب القائمين على إدارتها دفعت بالجنود في مدن عراقية كثيرة إلى ممارسة الاغتصاب والقتل وحرق الضحايا وهدم المساجد والمنازل وكافة ألوان الجرائم في انتشاء تفضحه الكثير من الصور عن هذه الممارسات، ولو كان لهذه الحرب أي أساس أخلاقي لحرصت الإدارة والبنتاجون على أن يكرسوا هذا الجانب الأخلاقي في نفوس الضباط والجنود، ولكنهم استشروا فساداً وإجراماً حين رأوا القادة المدنيين والعسكريين يتفننون في التنكيل بالأبرياء في أبو غريب وجوانتاناموا وباغرام وغيرها.
هـؤلاء الجنود أكثرهم أتوا من مناطق أمريكية غير متحضرة ولا توجد فرص عمل ملائمة لدخول معقولة لهم وفقاً لبعض الصحف الأمريكية، كما أن آخرين مشمولون إما بأفراد من أقليات في أمريكا تم تجنيدهم أملاً في التجنس أو ضمن عقود بمسميات مختلفة، وكل ذلك يسهم في جعلهم باحثين عن المال من الحكومة الأمريكية أو من النهب والسلب إلى جانب الجرائم الأخرى، حتى أن جريمة القتل بدم بارد أو إثر اغتصاب لا تتجاوز أحياناً السجن لمدة اثنى عشر شهراً، بينما هناك تهديد يطال أحد الذين عملوا في معتقل جوانتاناموا بالسجن لمدة ستة وثلاثين عاماً لأنه سرّبَ أسماء بعض المعتقلين ممن مضى عليهم قرابة خمس سنوات، وأي ديموقراطية هذه تسعى لها إدارة وتجيش العالم من أجلها؟ بل أية عصابة قتل وترويع واغتصاب هذه التي تحتل دياراً وتقتل شعوباً ؟!
فــي عددها الصادر في 19/1/2007م نشرت نيويورك تايمز مقالة لــ "بول كروجمان" يصف فيها إدارة بوش بقوله: "منذ اليوم الذي استولت فيه على السلطة فإن هذه الإدارة لم تقدم غير التجاوز المخزي للمبادئ الطبيعية لحكومة جيدة، وعلى مدى ست سنوات فإن المشكلات الأخلاقية وتضارب المصالح كانت القاعدة وليس الاستثناء" .
أي شيء أكثر إغراء للباحثين عن الجريمة من هذه الحرب القائمة على سفك الدماء والترويع المستمر والتنكيل والاغتصاب ثم البراءة أو شبه البراءة لمن يرتكب ما يشاء كيف يشاء، إنه الحلم لكل مجرم في كل مكان أن يذهب إلى العراق أو أفغانستان أو حتى الصومال في جيش "ميليس زيناوي" وتحت ظلال عصابة المحافظين الجدد، ثم يفرغ من جرائمه ليذهب مواطناً أمريكياً بطلاً ينال الأوسمة واليناشين.
بــل إن من أخطر جرائم المحافظين أنهم مكّنوا إيران من العراق وليس المحافظون في طهران بأقل شراً من المحافظين في واشنطن، ولا يصلح للعقلاء في المنطقة أن يقبلوا بأحد الشّرين بل عليهم أن يتذكروا جيداً أن لكل منهما أجندته في التوسع والاحتلال وتجنيد المحاربين نيابة عنه وسفك الدماء من أجل تحقيق مآربه، ولا يصلح لمن أراد السلامة إلا أن تكون ذاكرته جيدة وأن يحسن بناء الجبهة الداخلية وأن يقيم العدل بين مواطنيه وأن يفتح لهم أبواب الحرية المسؤولة والفرصة لبناء مجتمع يعرف أهله أنهم وحدهم وليس الأوصياء من هنا أو هناك ــ هم القائمون عليه ــ المعنيون بأمره، وفي الدرس المستفاد من انعتاق أمريكا اللاتينية من أسر الولايات المتحدة في ظل إدارتها الحالية خير مثال.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011