عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
هنيئاً للمجرمين هذا التلطف في التعامل
الوطن في 11/1/1428هـ - الموافق 29/1/2007 م

يطيـب لي أحياناً أن أتذكر صديقي الهندي القديم الذي بلغت الرأفة والرحمة عنده الحد الذي إذا وجد في بيته حشرة من صرصور أو عقرب لا يتجاوز الأمر لديه أكثر من أن يضع أمامها صفحة من الورق ثم يحملها في هدوء إلى خارج المنزل، وكان يتحاشى جريمة أكل اللحم برياً كان أو بحرياً مكتفياً بالخضروات، وحزنت عليه مرتين: مرة حين رأيت أهل مذهبه يحلون دماء المسلمين وأجسادهم، ومرة حين مات فجاء ابنه الأكبر من دراساته العليا في الولايات المتحدة ليتولى بنفسه إحراق جثة أبيه.
ثــم رأيت إرهاصات الحرب على العراق وكيف أن مسؤولي الإدارة الأمريكية والبنتاجون يودعون حشود القوات المغادرة قائلين إن العراقيين سيخرجون لاستقبالهم بالورود والأزهار محتفين بهم في فرح وسرور، حتى إذا وجدوا أن الأمور تسير بخلاف ما زينوه لهم سعت الإدارة في تجريم المقاومة والتنكيل بالمقاومين بل إنها تجاوزت كل حد في تأسيس فرق موت وإرسال انتحاريين يفجرون في الجموع المحتشدة حتى يتعزز لدى الناس أن المقاومة لا وجود لها وإنما هي جرائم الإرهاب التي يستحق أصحابها أقسى أنواع العقاب، حتى اختلطت الأمور بين المقاومة والإرهاب وهو ما يحلو للمستعمر أن يراه.
الوضـــوح في تناول الأمور والتفريق بين جريمة وجريمة وحادثة وحادثة والتحليل الدقيق للمآلات هو ما ينبغي أن يكون الحال عليه في تناول الشأن العام حتى يدرك الناس حدود الحق وحدود الباطل، ويتيقن الالتزام بناء على تحديد دقيق لهذا وذاك، ولا يكون هناك مجال لمساحات ضبابية ينعدم فيها التمييز بين الخطأ والصواب والحق والباطل وتصبح المسؤولية الاجتماعية قضية معطلة مبهمة بينما هي في صلب البناء الأخلاقي للمجتمع.
هــذه التداعيات جالت في ذهني وأنا أقرأ في هذه الصحيفة عدد السبت أول أمس خبرين يجمع بينهما أن هنالك حاجة ماسة إلى ترسيخ انضباط أمني في ضوء ازدياد جرائم مجهولي الهوية أو المقيمين بصورة غير نظامية خاصة وأن الموضوع قد تناوله العديد من الكُتّاب وظهرت بشأنه الكثير من التحقيقات الصحفية التي تبعث على الرعب، حيث يمارس هؤلاء جميع أنواع الجريمة المنظمة من دعارة وترويج مخدرات وبتر أطراف صغار السن لاستخدامهم في التسول والاعتداء على آخرين أو على منازل بهدف السرقة وقد يمارسون القتل لتصفية منافسيهم أو للتغطية على جرائمهم.
كــان الخبر الأول عن خمسة تشاديين من مخالفي نظام الإقامة تخصصوا في اقتحام قصور وفلل فخمة في شمال جدة وحمل مقتنياتها ثم بيعها وتوزيع الريع بينهم، وقد نجحوا في تزوير وثائق استخدموها في انتحال هويات واستئجار سيارات حتى يسهل عليه ممارسة هذه الجرائم تحت غطاء نظامي، حتى إذا قبضت الجهات الأمنية على اثنين منهم وكشفا عن الثلاثة الباقين (بافتراض أن العصابة مقصورة على هؤلاء الخمسة) اعترفوا بالكثير من الجرائم .
أمــا الخبر الثاني وهو مربط الفرس وبؤرة الاهتمام فهو اقتحام ثلاثة من المجرمين منزلاً في الرياض لسرقته فهب الشاب صاحب المنزل متصدياً لهم فهرب اثنان وأوسع الشاب ثالثهم ضرباً، وحين حضرت الشرطة اقتادت صاحب المنزل أمام بصر والدته إلى السجن واللص إلى المستشفى، وهنا الخوف كله والعجب كله، فإن لم تتمكن الشرطة من توفير الأمن للمجتمع وتقف إلى جانب أفراده في مواجهة المجرمين فلماذا يصبح هؤلاء الضحايا مجرمين في نظر الشرطة ويتم اقتيادهم من منازلهم إلى السجن لمجرد دفاعهم عن أنفسهم وأهليهم .
ومــن أجل أن يعرف الناس حدود المسؤولية بوضوح فلا يتجاوزونها إلى الممنوع يفضل أن تكتب الشرطة دليلاً يبين الخطوات التي يلزم اتخاذها في حال اقتحام المنزل على صاحبه من هؤلاء اللصوص بترك الأبواب مفتوحة حتى لا يتجشموا عناء كسر الباب أو القفل ويعد لهم وجبة غداء أو عشاء مع أجود أنواع الفاكهة والحلوى ولا ينسى أن تكون المشروبات متنوعة بين المعلب والطازج والساخن والبارد، ثم عليه أن يقدم لهم بطاقات شكر وتقدير على حسن الإنجاز ويتعهد بعدم إبلاغ الشرطة حتى لا يؤخذ عليه أنه أزعج هؤلاء اللصوص المحترمين الذين يسعون في إعادة توزيع الدخول بين الكادحين بالفرص الشريفة والكادحين بالفرص الحرام !!
لقــد تطورت الأمور إلى أن أصبح الناس يتحدثون عن أن من يذهب إلى الشرطة يشكو سرقة محفظته أو جواله أو ممتلكاته تنصحه الشرطة بالذهاب إلى الحي الفلاني لمقابلة شخص من الجنسية الفلانية بيده مفتاح ألغاز السرقات وتبدأ الرحلة من شخص إلى شخص ومن حي إلى حي حتى يسترد إن أفلح أوراقه الثبوتية من رخصة قيادة وبطاقة أحوال وما شابه ذلك مقابل مبلغ من المال علاوة على الذي سرق منه.
والمعلــوم أن الإسلام جاء ليحفظ خمسة أشياء هي عماد حياة الإنسان دينه وعرضه ونفسه وماله وعقله، والرسول ? يقول: "من قتل دون ماله فهو شهيد" بل يحث على الدفاع عن النفس وعن المال وعن العرض وعن الأرض، فكيف نجعلها رخيصة لهؤلاء المجرمين الذين زاد شرهم حين وجدوا في العطف عليهم والرحمة بهم مظهر ضعف وتخاذل فاستشروا فساداً وترويعاً، وإذا كانت الحرب على الإرهاب لم تشملهم لأنهم مجرمون غير ذوي فكر فما الذي يضمن أن يندس بينهم إرهابيون إذا رأوا أنهم سيعاملون بهذا القدر من الرفق بحيث تقاد الضحية إلى السجن والمجرم إلى المستشفى للعناية به ؟

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011