عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
وجاء حكم التمييز بالتفريق
الوطن في 18/1/1428هـ - الموافق 5/2/2007 م

والقضيـة هنا هي القضية التي نالت من اهتمام الرأي العام ما نالت وأصابها ما أصابها من التأويل والتحليل ومن النقاش والتفسير حتى أصبحت موضوعاً لكثير من الدراسات والمقالات والمسلسلات في الداخل والخارج، وبقي الناس ينتظرون صدور حكم هيئة التمييز، وربما كان الكثير يتوقعون أن يصدر القرار برفض حكم القاضي الذي أصدر الحكم من قبل، خاصة وأن الأمر كان يتداول على أن الوالد هو الذي أبرم الزواج قبل وفاته ثم جاء الأخ غير الشقيق وأقام دعوى التفريق.
ربــما يتقبل بعض الناس حكم القاضي في منطقة نائية تسيطر المفاهيم والعادات الاجتماعية والعرف على الحياة فيها بقدر كبير يصل في بعض الأحيان إلى أن يعمل عمله في الحياة العامة ويتغلب على بعض الجوانب الدينية التي تجد في التاريخ والتراث وفي كتب الفقه ما يساعدها على الانتشار، أما بعد أن يصل الأمر إلى هيئة متمرسة في القضاء وتملك سنوات طويلة من الخبرة والإطلاع على أحوال الناس في مناطق مختلفة من المملكة، وتدرك جيداً الآثار المترتبة على هذا الأمر خاصة وأن هنالك العديد من الحالات المماثلة التي ينتظر أصحابها هذا القرار والذي سوف يعمل عمله في المجتمع على نحو بالغ، أما بعد هذا كله فإن القضية تستحق من الجميع الوقوف أمامها بقدر كبير من التأمل والنظر والمراجعة التي تساعد على تحقيق انصهار اجتماعي وقبلي وعرقي وعشائري يثمر مجتمعاً متجانساً متآلفاً موحداً، وكان متوقع الحد الأدنى بعد أن أصبحت هذه القضية ذات شأن عام أن يصدر عن وزارة العدل بيان تثقيف المجتمع في أمرها حتى لا يتورط آخرون.
مــن حيث الأساس المنطقي للتفرقة الاجتماعية ــ وبعيداً عن هذه القضية بالذات بأن فيها حكماً مميزاً له ملابساته وحيثياته التي لا علم لي بكل تفاصيلها ــ فالأمر فيه الكثير من الهوى والقليل من الدين والعقل، ذلك أنه لم يثبت حتى الآن أن أحداً من هؤلاء الذين يقيمون على سطح الكرة الأرضية ينتسب إلى غير آدم عليه السلام، الأسود والأبيض والأحمر والأصفر، فالكل ينتمي لآدم وآدم يرجع إلى تراب وأبناؤه من بعده سوف يعودون إلى تراب وما بين مرحلة التراب والتراب لا يثبت نسب آخر، ومن هنا فالآدميون يستحقون آدميتهم بأعمالهم ويستحقون تكريمهم بتقواهم ويستحقون بشريتهم بتناسل لابد فيه ــ في الوضع السوي ــ من زواج وبشروط ترجع إلى قاعدة كفاءة الدين، ثم إن الاعتداد داخل دائرة الآدمية إنما مرده التفاخر المقيت الذي جاء الإسلام ليحوله إلى عمل وإنجاز وإتقان وإحسان حتى أن الرسول ? جمع أهل مكة وبدأ بأقاربه "يا فاطمة .. يا عم ... إني لا أغني عنكم من الله شيئاً "، والقرآن الكريم يعلمه ذلك ?وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ?، كما أن التطبيق العملي يؤكد مبدأ المساواة المطلقة والأدلة كثيرة، كزيد بن حارثة وجليديب وبلال وسلمان وصهيب وآخرون ولكل قصته.
أمــا خارج دائرة الآدمية والبشرية فإن الأبالسة والشياطين يرون أنفسهم أرفع مقاماً وأشرف أصلاً وأنقى معدناً، ولم يتردد الشيطان في إعلان هذا أمام رب العالمين حين أمر سبحانه الملائكة بالسجود لآدم تكريماً لما خلق الله بيديه سبحانه وتعالى : ?قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ. قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ?. وجميل أن يحظى بعض المميزين من البشر بزواج من جنيات كما نسمع ونقرأ من الأفذاذ من أهل النظر، حيث كسر إخواننا الجن قاعدة الأفضلية والنسب ورضوا بأن يصاهروا الإنس الوضعاء في نظرهم.
جــهاد النفس وهو الجهاد الأكبر يقتضي أن نقف موقفاً نتبين فيه حالنا مع أنفسنا في ظل مطالبة الإسلام بأن نكون إخوة متجانسين متآلفين متواضعين أذلاء لبعضنا البعض رحماء بيننا إلى آخر هذه الجماليات التي إن أتقناها استطعنا أن نعلو على الكبر الذي متى انغرس في النفوس ألقى وراءه الكثير من القيم والأخلاقيات والشيم التي تجعل من مجتمع من المجتمعات بيئة عمل وبناء وتكامل وإحسان، ولذلك كان التحذير من الكبر كبيراً جداً إلى الدرجة التي لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر.
كـان المتوقع في العراق أن يجتمع شمل العراقيين بعد زوال ما أسموه حكم الطاغية على الوحدة الوطنية ومقاومة الغاصب الأجنبي وطرده من البلاد واختيار حكومة وطنية عادلة، فإذا الجميع يقتتلون وإذا المحتل يغرق مع الغارقين في الاقتتال، وكان المتوقع إذ أفرزت الديموقراطية في فلسطين خيارها أن يرضى أهلها بالنتيجة ويسعوا جميعاً في التعاون والتكاتف فإذا هم فريقان يقتتلون، وانظر إلى فلسطين وإلى لبنان وإلى السودان وإلى الصومال والى تشاد وإلى باكستان، إنها مجتمعات جعلت الإسلام شعاراً ترفعه ولا تمارسه وتتحدث عنه ولا تنصهر فيه وتفاخر به ولا تنظر ما قدمت من أجله، هذه الفرقة والاقتتال إنما جاءت بسبب عبادة الذات سواء أكان الذات فرداً أو حزباً أو مذهباً أو حاكماً، ونسي الجميع أن الإسلام يبدأ بالنفي وينتهي بالإثبات، نفي ما سوى الله سبحانه وإثبات أن الأمر له وحده والحكم له وحده.
والأدهـى والأمرّ أن نبحث عن طرف نحسب أنه قوياً فنسعى في الركون إليه حتى إذا أوشك على السقوط واصطنع موقفاً جديد يستنهض به سقوطه سعينا إليه في فزع لنعينه وهو مغلوب على أمره لا يضيف لنفسه شيئاً ناهيك عن الآخرين، وإذا كان هنالك من سبيل فهو أننا في أمس الحاجة إلى أن نعرف أنفسنا فنطهرها من التزكية المفرطة، ومجتمعاتنا فنحررها من الفرقة المستشرية، وعدونا القريب والبعيد فنحذر أن نقع ضحية مغامراته أو مغامراتنا.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011