عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
من جفّف منابع العمل التطوعي
الوطن في 16/2/1428هـ - الموافق 5/3/2007 م

إلى وقت قريب كانت المدارس والجامعات تعلن عن برامجها التطوعية ضمن أوجه النشاط الطلابي التي تدخل في المنهج غير الأكاديمي مثل أسابيع الشجرة والمرور والنظافة العامة ونظافة المساجد، حيث يشارك الطلبة في حملات تستهدف القيام بالأعمال وكانوا يجدون فيها من المتعة والسرور والشعور بالرضا ما يعطي أثره في السلوك التعاوني الذي يظهر عليهم أثناء ممارساتهم لنشاطهم.
بــل إن الطلاب الذين مارسوا هذه الأسابيع يتذكرونها اليوم بشيء يشبه الحلم الجميل الذي مر عليهم في حياتهم وهم يتسابقون إلى تقديم أعمال تعود ثمارها على مجتمعاتهم وأهليهم وعليهم أنفسهم بعوائد إيجابية، وهو ما يوحي بأنها تركت بصماتها على تفكيرهم وشخصياتهم، مما يعني أن توقفها لم يكن لأن الطلاب لم يتفاعلوا معها أو يتأثروا بما قدمته لهم من إضافات في حياتهم، وإنما هو تراخ من القائمين على النشاط الطلابي في الإدارات ذات العلاقة.
حيــن أُلغيت هذه المناسبات التي تغرس حب العمل التطوعي في أذهان الطلاب أصبح من النشاز أن يطلب إليهم القيام بعمل إيجابي سواء في مدارسهم أو منازلهم أو شوارعهم، وأتذكر مدير عام تعليم أقام حفلاً كبيراً في أحد الملاعب الرياضية العائد لجهة من الجهات، وحيث أنه وعد تلك الجهة بإعادة الملعب نظيفاً كما استلمه، فقد كان من بين خطة الحفل أن يتولى الطلاب أنفسهم ترتيب المكان ونظافته باعتبارهم المعنيون بالحفل أساساً، ولم تكن هذه المخلّفات إلا علب مشروباتهم ومغلفات مأكولاتهم، وفوجيء مدير التعليم في اليوم التالي بآباء وأولياء أمور يأتون محتجين على أن عمل أبناؤهم عمال نظافة وهذا ليس من متطلبات تعليمهم.
وكنــت في تلك الفترة قد قرأت بحثاً عن التعليم في اليابان ومدى انضباطه والتشديد فيه على التزام وقت الحضور إلى المدرسة والتفاعل فيها ومعها، ومن بين ما ورد أن الطلاب أنفسهم مسؤولون عن نظافة المدرسة حتى إنهم يعملون بطريقة تلقائية مراقبين على بعضهم البعض حتى لا يسيء لأحد برمي مخلّفات أو لصق قطع اللبانة أسفل طاولات الدراسة لأن المتضرر من هذه التصرفات هم الطلاب الذين سوف يقومون بالنظافة، وفي هذه الرقابة الذاتية بذاتها نهج تربوي رفيع وحرص على الأخذ على يد المتلاعب والمخالف للنظام فينشأ الطلاب على أساس المسؤولية العامة والحرص على عدم السكوت على المخالفات وإنكار المنكر، وما أجملها من قيم حث عليها القرآن الكريم ودعا إليها الرسول العظيم ? .
لــو بقيت تلك الأسابيع ذات الأبعاد التطوعية والجوانب الخدمية لما وجد هؤلاء الآباء سبيلاً إلى احتجاج على قيام أبنائهم بنظافة الملعب الذي استخدموه، ولما وجدوا حرجاً في أن يكون أبناؤهم عمال نظافة لأنفسهم طالما أن المستفيد هو الطالب نفسه الذي ينشأ على النظافة وممارستها والدعوة إليها والإنكار على من يخالف قواعدها وآدابها، وهو ينتمي إلى دين يقول له: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة" ويعلمه "النظافة من الإيمان" ويحبب إليه التعاون ويعتبره ركناً من أركان قيام المجتمع الذي يسعد الناس فيه جميعهم بما يقدمون لا بما يأخذون، وبما يسهمون به لا بما يحصلون عليه، وبإسداء المعروف لا بالاكتناز وغل اليد "اليد العليا خير من اليد السفلى" .
ليــس من علاج لتفشي ظواهر كثيرة بين الشباب والفتيات وتطرف في نقيضين من التفلت أو الغلو إلا بالإكثار من أعمال التطوع التي تربط الشباب أو الفتاة بالقيم الأساسية التي علّمنا إياها الرسول الكريم ? ، والذي يجهل حق المسلم على المسلم وحق الجار على الجار وحق الضعيف والأرملة واليتيم والمسكين وحق عابر السبيل وحق الشيخ والمرأة والطفل وحق الذمي والمستأمن إلى آخر قائمة الحقوق والواجبات من يجهل هذه سوف لن يلتفت إلى قيمة من القيم وهو يمارس جريمة من الجرائم صغرت أم كبرت أو لوناً من الإرهاب صغر أم كبر.
المجتمعات التطوعية يكثر فيها من يحملون نفوساً سوية وقلوباً رحيمة وأيادي نظيفة وعقولاً متفتحة وهمماً عالية وإنتاجية راقية، ذلك أنهم عرفوا أن عليهم واجبات قبل أن يطالبوا بحقوقهم، ومن عرف حقوق الآخرين وسعى في تحقيقها سهل عليه أن يعرف حقوقه ويحصل عليها، وليس أيسر من معرفة حقوق الآخرين إذا نظر الإنسان بإمعان في "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وهو ميزان عادل تماماً لا يحتاج إتقانه إلى كبير عناء بل يحتاج إلى صدق مع النفس وصدق مع الواقع، فتبدو الأمور واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض.
مــن حقنا أن نحلم بشيء من جماليات أسابيع المرور والنظافة والشجرة ومكافحة التدخين والمخدرات، ومن حقنا أن نطالب بعودة الحياة إليها والى غيرها من البرامج التي تركت آثارها الإيجابية على نفوسنا حين مارسناها أو مارسها أبناؤنا، ومن حقنا أن نسأل الذي أوقفها عن المبرر وراء ذلك، فالخطأ لا يعالجه الخطأ والمنكر لا يرفعه المنكر، ومن حقنا أخيراً أن ننادي وزارة التربية والتعليم أن تعمل على تفعيل برامج تطوعية للأولاد والبنات وأن يعرف الناس أن فيها جمالاً كبيراً وأن فيها خيراً كثيراً .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011