عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
من أجل مكة واتفاقها
الوطن في 30/2/1428هـ - الموافق 19/3/2007 م

بـادرت النرويج إلى الإعلان عن اعترافها بحكومة الوحدة الفلسطينية فور تشكيلها وهي بذلك تقطع الطريق على أي محاولة أمريكية إسرائيلية لإملاء موقف عليها، بينما أعلن الاتحاد الأوروبي عن ارتياح للحكومة وينظر بحذر إلى الخطوة التالية، ولم تعلن أية دولة عربية عن موقف رسمي عن هذه الحكومة بعد، إما إسرائيل فقد بادرت إلى رفضها والإعلان عن عدم التعامل معها، بل وسعت إلى أن تنوع على الرفض حتى يفهم من يفهم أن هذا موقف يحسب له حساب.
وكمــا أن مواقف دول كثيرة سوف تبنى على القرار الذي تتخذه واشنطن أو توحي به، فإن قرار واشنطن في أحيان كثيرة يصدر عن تل أبيب ولا يحتمل في الأغلب التأويل أو التفسير، ومن هنا كان سعي الحكومة الإسرائيلية إلى سرعة إعلان موقفها وإلى التنويع عليه حتى تستخدمه ورقة ضغط على حلفائها وخاصة البيت الأبيض والجناح الصهيوني في الاتحاد الأوروبي وتستخدمه في الوقت نفسه أمام الدول العربية والإسلامية على سبيل التخويف والتحذير.
إن أكبر نجاح تحقق في مكة هو أن يعود الفلسطينيون إلى بلادهم وهم أكثر تقارباً وأشد تفاهماً عما كانوا عليه قبل المؤتمر، والدليل على ذلك نجاحهم بعد أسابيع من الحوار والنقاش في الخروج بحكومة وحدة وطنية استطاعت استقطاب الأطياف العديدة وفي الوقت نفسه حسن انتقاء عناصر لها تاريخها ونزاهتها وقبولها في الداخل والخارج وهو في حد ذاته دليل على أن اللقاء في مكة لم يكن يهدف إلى تقوية فريق على فريق أو طرف على طرف وإنما لتقوية الفلسطينيين جميعاً حتى يتمكنوا من مواجهة عدوهم مجتمعين لا متفرقين متفاهمين لا متخاصمين.
كمــا أن النجاح الآخر الكبير وهو ما يحسب له الأوروبيون حساباً كبيراً انطفاء شرارة الحرب الأهلية التي بدأت قبل أسابيع تتقد وتجد من يسعى في تأجيجها على نحو يحقق مصالح للإسرائيليين وعملائها داخل الكيان الفلسطيني ، ولكن الاتفاق نجح في إطفاء الشرارة التي أخذت تستعر، ومن ثم فإن الوحدة الوطنية في حكومة قادرة على لم الشمل هي البديل العملي والفاعل في إقصاء شبح الحرب وتقريب الصفوف واختيار العناصر التي ما كان لها أن تشارك لو أن الحكومة حماسية صرفة أو فتحاوية صرفة، وهذا هو الجانب الأروع في تحقيق هذا .
إن الحكمة تقتضي أن تسعى دول عربية وإسلامية وأن تسعى منظمات مثل رابطة العالم الإسلامي ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية إلى احتضان الحكومة الجديدة باعتبارها ممثلاً فاعلاً يضمن الحد الأدنى من القبول الفلسطيني ويلبي المطالب التي تحقق للشعب الفلسطيني قدراً من الدعم والإعانة في الوقت الذي وصل فيه مستوى المعيشة بين الفلسطينيين إلى حد الفقر أو ما دون حد الفقر، وانكشف غطاء معنوي كانوا يحتمون به أمام سطوة عدوان لا يرحم ولا يسعى أن يكون هناك راحم حتى من داخل الأرض نفسها أو من بين الجيران أنفسهم، وفي ذلك من العناء والمشقة ما لا يحتمله إلا الأفذاذ من البشر.
وليــس من المعقول بعد الجهد الكبير الذي تحقق في اتفاق استقطب القادة ورفع معدل التوقعات عند المواطنين أن يتركوا رهينة موافقة أو رفض حكومة إسرائيلية لا تتمتع بأي قدر من النزاهة ولا من القبول بين مواطنيها حتى أن نسبة المؤيدين لرئيس حكومتها لا يصل (10%) وأما رئيس الدولة نفسه فلا يُستبعد أن يدخل السجن بسبب تحرشاته الجنسية، إضافة إلى ملامح تُهم فساد تلاحق كثيراً من وزرائها، فما ينتظره القادرون على قرار حكيم منصف أمام هذه الظروف، خاصة إذا ما عرفنا أن (83%) من أعضاء البرلمان الفلسطيني قد أيدوا الحكومة الجديدة مقابل اعتراض ثلاثة فقط وغياب أي ممتنع عن التصويت، ليس من ضمان لاتفاق مكة إلا بموقف قوي واضح من الدول العربية التي تضطلع الآن بمسؤولياتها تجاه الفلسطينيين فتقدم للحكومة الجديدة ما تحتاج إليه من دعم مادي مباشر بالمال وبالاعتراف وبالمساندة مع دول أخرى لتقديم ذلك كله، وبدعم معنوي مباشر باستضافة مسؤوليها وإعطائهم الفرصة كاملة لممارسة أعمالهم الدبلوماسية بعيداً عن التضييق والإهانة التي سعت بعض الدول عربية وغير عربية من قبل في ممارستها إرضاءً لإسرائيل والإدارة الأمريكية، فإن لم يقم أحد من العقلاء بهذا الدعم فسوف يكون ذلك مبرراً كافياً لتقويض هذه الوحدة التي جاءت على شبح الحرب الأهلية والاجتياحات الإسرائيلية والتخاذل الدولي والإحباط الداخلي والخارجي، وربما كان ذلك أيضاً داعياً لدخول أطراف لها مصالحها في الاستفادة من فرص الفشل الذي لا يكون حينئذ وقفاً على الفلسطينيين وحدهم بل سيمتد إلى غيرهم .
ليــس من شك أن إسرائيل وحلفاءها من اليمين المتطرف في الإدارة الأمريكية سيبذلون كل ممكن في سبيل خنق اتفاق مكة وجعله خالياً من أي مضمون، ومن الواجب قطع الطريق على الصهاينة وتثبيت النجاح المتحقق، لأنه سوف يشكل سابقة تاريخية كما شكل اتفاق الطائف من قبل وكما شكل اتفاق مكة للأفغان سوابق في حسم الأمور ووضعها في الإطار الصحيح، كما أن المساندة الشعبية مطلب ضروري آخر لأنه يفتح الباب لمساعدة الأهل للأهل والأخوة للأخوة، وأول خطوة وأقربها تفعيل الموقف النرويجي وشكرها على موقف جرئ في زمن الخوف والتردد.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011