عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
مؤسسات المجتمع المدني في عالم أكثر انفتاحاً
الوطن في 8/3/1428هـ - الموافق 26/3/2007 م

جـاء التحول الأوربي من الزراعة إلى الصناعة أو من الإقطاع إلى المؤسسات ليحمل مجموعة كبيرة من التحولات التي أسهمت بشكل كبير في تغيير نمط الحياة والتفكير والحكم والمجتمع بحيث خرجت أوروبا بشكل متدرج لكن سريع من هيمنة ثالوث الكنيسة والإقطاع والتزمت الأسري إلى عالم يحكمه الإنصات إلى نبض الآلة وتسارع حركة الإنتاج والحاجة إلى كسر القيود التي تحيط بالفرد والمجتمع إلى تكامل أكبر يجعل من المجتمع آلة تشبه الآلة التي أخذت مكانها في الحياة جميعها.
وقــد غلب على أوربة في العصور الوسطى التناحر والتقاتل وتوسيع دائرة الحكم والسلطة بغزوات تفتعل بعضها من أجل ضم مساحة أكبر من الأرض أو الأخذ بثأر قديم أو جديد بما يستدعيه ذلك من الحرص على المكاسب المادية، ويكاد هذا الحال يشبه الحال التي كان عليها العرب في جاهليتهم حين تسيطر القبيلة على التفكير والقرار وينضوي الجميع تحتها بشكل مطلق يأتمرون بأمر زعيمها ويخضعون لأعرافها ومفاهيمها:
وما أنا إلا من غزيّة إن غوت
غويت وإن ترشد غزية أرشد
وأمــام هذه الحال فإن من الصعوبة البالغة أن يكون هناك مكان لقيمة فردية إنسانية أو قرار يبنى على مصلحة الفرد بل التحالف الكنسي الإقطاعي في أوروبا في العصور الوسطى أو القبيلة وكهانتها في العصور العربية الجاهلية.
لكــن الإسلام انتقل بالناس من "عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام" كما قال ربعي بن عامر موفد الحوار مع كسرى في الفتح الإسلامي لفارس، كما حرر الإسلام الإنسان من التبعية العمياء إلى التصرف بمسؤولية ووعي "لا يكن أحدكم إمعة يقول إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت لكن وطنوا أنفسكم أن تحسنوا حيث أساء الناس"، ويبين القرآن الكريم ذلك بجلاء ?وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى? ? وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ?، وقول الله سبحانه ? كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ? وقوله سبحانه ?وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً . إقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً? . ومن هنا خرج المسلمون ينشرون هذه القيم العظيمة بين الناس غير ملزمين أحد على اتباعها لكنهم يجعلونها خياراً متاحاً لمن أراد أن ينتمي إليها وينضوي تحت لوائها.
أمــا أوروبا الصناعية فقد رأت أن رسالتها تقتضي أن تظل هذه الآلة تعمل بلا انقطاع ولذلك كان لابد من أن تكون هنالك أسواق لتوفير المواد الأولية للتصنيع والتجارة وأسواق أخرى لتسويق المنتجات وتصريف ما تعمل الآلة على تصنيعه، ولم يكن هنالك من سبيل أمام هذه الكيانات الجديدة إلا الغزو الذي ينشيء هذه الأسواق، وكانت الجيوش تنطلق في بقاع شتى من العالم لإنشاء الأسواق وإخضاع الناس لقيم الاستهلاك وتوفير المواد الأولية.
كــان التحول الأوربي تحولاً نوعياً من مجتمع منغلق على نفسه محارب لجيرانه في ظل قيم مادية بحتة، وإن كانت الكنيسة فاعلة نافذة إلا أنها تعمل في الغالب لصالح الإقطاع وترويض العقول والنفوس والطموحات لتكون في إطار ما يريده الإقطاعي، ولذلك رفضت كل جديد حتى وإن كان مؤيداً بالعقل والمنطق والدليل طالما أنه يخرج على النمط السائد الذي ارتضاه كهنوت الروح وكهنوت الجيب فأصبحت الكشوفات العلمية من المحرمات والنظريات من الهرطقات التي يحرق أصحابها بالنار ويعدمون لقاء خروجهم هذا.
هناك إذن تحول أوروبي إلى مجتمع مدني ومجتمع حديث في آن واحد، بحيث انصهر التحولان في تحول جذري كبير لكنه في إطار المادة ضمن روحانية تخضع لسلطان الإقطاع أو تخضع الإقطاع لسلطانها في تناغم عجيب إلى مجتمع يتحرر من هذه وتلك في تناغم عجيب أيضاً، ويجعل من الإنسان بماديته وطموحه وعمله وإنجازه محوراً للحياة ومنطلقاً لبناء المجتمعات، ولذلك استطاع الإنسان هذا أن يسعى في تطوير نفسه وفي تطوير مجتمعه في آن و احد فأخذ يتعلم ويتدرب ويمارس الحرف والمهن والأعمال التي يرى أنها تحقق له حياة مادية كريمة، كما أخذ أيضاً يطور مجتمعه ليؤسس من الجمعيات والهيئات والمنظمات ما يعينه على أن يكون صوته مسموعاً طالما أن الفرد هو بؤرة مجتمع، وكانت هذه الهيئات تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في صياغة القوانين وإعادة صياغتها وانتخاب القادة في المؤسسة السياسية والاجتماعية والمهنية والتجارية وأخذ مجتمع جديد يتشكل بفعل هذه الممارسات المنضبطة بروح مصلحة مجموعات من الناس تصغر لتضم العشرات وتكبر لتضم الملايين.
أمــا في المجتمعات الإسلامية والعربية فإن للتطور مساراً آخر حيث أن الإسلام حوّل المجتمع الذي ينتشر فيه إلى مجتمع مدني بحت من حيث المبدأ، إلا أن للممارسات السياسية تأثيراً كبيراً حيث يتمدد مفهوم المجتمع المدني أحياناً ليصبح ديموقراطياً مطلقاً ولِّيتُ عليكم ولست بخيركم "أطيعوني ما أطعت الله فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم" كما قالها أبو بكر رضي الله عنه ثم عمر من بعده، ومن ناحية ثانية كان في المجتمعات الإسلامية تحديث بقدر ما فيها من انفتاح عقلي ونفسي وسياسي وهو ما تحقق في الأندلس وفي شمال أفريقيا وفي الخلافة العباسية وفي الهند وفي حقب مختلفة من الخلافة العثمانية.
أمــا في العالم العربي على وجه التحديد فقد شهد القرن الماضي نقيضين مختلفين تماماً حيث شهد النصف الأول الذي تراوح الأمر فيه بين الخلافة العثمانية وبين الاستعمار بشتى طيوفه قدراً من الانفتاح جعل مدنية المجتمع سمة بارزة ، وكانت المؤسسات والهيئات التي تمثل الحرف والمهن والجمعيات المختلفة تمارس أنشطة مختلفة تسهم بشكل فاعل في تسيير حياة المجتمع على نحو يكمل الدور الذي تقوم به الدولة أو في بعض الأحيان يكاد يكون الوحيد الذي يمارس هذه الأعمال، أما بعد قيام حركات التحرر فقد قضت على كثير من جوانب المجتمع المدني وأصبحت الحياة العسكرية أو الحزبية في النصف الثاني من القرن الماضي هي التي تهيمن على تكوين هيئات المجتمع فانحلت عرى مدنية المجتمع ليصبح خاضعاً لسياسات الحزب أو العسكر وسرت هذه المشكلة إلى العديد من البلدان التي لم تخضع لهذه الأنماط من الحكم عبر عدوى التقليد أو التأثير المباشر لتجارب الحكم وصياغة الحياة السياسية.
هنــا في المملكة تميزت فترة التأسيس بالكثير من المرونة في عهد الملك عبدالعزيز يرحمه الله وكانت بعض الهيئات تمارس أعمالها بشكل مستقل عن الدولة لكنها تسهم في بنائها ومن ذلك جمعية الهلال الأحمر السعودي والنقابة العامة للسيارات ومجلس الشورى والكثير من المؤسسات المهنية والحرفية التي تجمع المنتسبين إليها تحت رئيس يسمى "شيخاً" ، لكن استنساخ بعض التجارب من الدول المجاورة أفقد هذه الهيئات مكانتها وتأثيرها وحلت محلها هيئات حكومية تخضع لما تتصف به البيروقراطية الحكومية في كل مكان في العالم في تسيير أعماله وممارستها نشاطها.
لكــن القرن الواحد والعشرين يكاد يلتهم كثيراً من رتابة القرون الماضية وخاصة في جانب المعلومات وصعود وهبوط كيانات سياسية واقتصادية وتفكيك وإعادة تركيب العديد من الكيانات السياسية في تطور يخضع من جهة لعولمة تصاغ وفق مصالح وأولويات القادرين أو الذين يستطيعون أن يضمنوا لأنفسهم مكاناً مؤثراً في مسيرة العالم إلى آفاق العولمة، كما أن مفهوم الإرهاب والحرب على الإرهاب أوجد أبعاداً في التفسير والتأثير والتقارب والتباعد تتشكل على نحو مفهوم أحياناً وأقل إفهاماً في أحيان أخرى.
هنـــا في المملكة يسعى القادة إلى إصلاح يسهم في التغلب على تحديات العولمة، كما يسهم في امتصاص أكبر عدد من الشباب والفتيات في سوق العمل حتى لا يكونوا عرضة للانحراف والضياع والجريمة والإرهاب، ويتميز العمل في هذا المضمار بتشجيع الشباب والفتيات على اقتحام سوق العمل والبحث عن فرص العمل المتاحة وفيها ما فيها من تنوع في مجالات صناعية وتجارية ومهنية وحرفية بما يعد خروجاً أحياناً على ما ألفه المجتمع من الولاء لتقاليد وأعراف لا تبيح الخروج عليها كنبذ العمل في مهن تعدو وضيعة لا تسمح لصاحبها من ذوي مكانة اجتماعية معينة بالانخراط فيها فإن هو تجرأ وفعل ذلك نبذته فئته الاجتماعية بل وأعرضت عن تزويجه أو الانتساب إليه.
مثــل هذا السلوك يجهض كل مساعي الإصلاح ويجعل الإنفاق الحكومي في بناء مراكز التدريب وإعداد الشباب وتهيئة الفرص لهم غير ذي قيمة إذا اقتصر على فئة اجتماعية بعينها وأعرضت عنه فئات أخرى ترى أنها لا تنتمي إلى هذا النوع من العمل، وهو ما يرهق الخطة العامة إذ ستصبح الخطط انتقائية تترصد فئات دون فئات وقد يضطر البعض إلى الالتحاق بها بصفة مؤقتة مبيتاً النية على عدم الاستمرار فيها أو هجرها إلى سواها متى وجد الفرصة مواتية لذلك مما يجعل الإنفاق العام هدراً وتطلعات القيادة وطموحها وقفاً على المزاج العرقي أو القبلي، ويتركز في المجتمع من جديد فصل عنصري في ميدان من ميادينه لكنه ميدان مكلف جداً وحضاري جداً وغير تقليدي، إنه ميدان الاقتصاد الوطني والدخل القومي الذي تُقاس قوة الأمم به حين ينظر إلى حجم الناتج القومي ونصيب الفرد، فما قيمته الحقيقية إذا كان مقصوراً على فئات اجتماعية معينة دون أن يكون ميداناً يجمع الأطياف الاجتماعية بكل ألوانها.
والدولــة ــ أي دولة ــ مهما أوتيت من القوة والتأثير سواء أكانت شمولية مركزية أو ديموقراطية غير مركزية لا تستطيع قوانينها وتشريعاتها أن تغير المجتمع بل لابد من وعي عام ومن محركات من ذات المجتمع تحدث آثارها تغييراً في الفهم والثقافة، وتخلق في الوعي العام روحاً جديدة تسمح بانفتاح حقيقي لا يخضع لتقليد كان الناس في حاجة إليه أمام ظروف في يوم من الأيام لها مبرراتها أو دعاتها، أما الظروف الآن فإنها تقتضي الانفتاح لا الانغلاق والاندماج لا التمايز والتعايش لا التنابذ، وهذا هو التحدي الذي لن يتصدى له إلا المجتمع نفسه بآليات نجحت في إحداث التغيير في أماكن أخرى.
مــن هنا تبدو الحاجة إلى التوسع في مؤسسات المجتمع المدني وهي التي شهدت في الآونة الأخيرة انفراجاً في قيام بعض المؤسسات والجمعيات غير التقليدية مثل الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان وهيئة حقوق الإنسان لكنهما غير كافيتين في مجتمع يحاول جاهداً الصمود أمام رياح عولمة عاتية تكاد تعصف بكل شيء، ومن بين ما يحتاج إليه لصمود وثبات أن يسعى في التوسع في مؤسسات فاعلة للتعامل مع القضايا الجديدة والمشكلات الجديدة والتحديات الجديدة التي لم يكن يتوقعها أو لم يكن مستعداً لمواجهتها، ولعلها في هذا الوقت هي الوسيلة المناسبة للحفاظ على مدنية المجتمع أمام غزو شخصنة المجتمع الذي جعل من كل شخص جزيرة قائمة بذاتها له حاسوبه الشخصي وبريده الإلكتروني وجواله وجهاز استماعه ولعبته المحمولة ولاقطه الفضائي إلى آخر قائمة ما يغيب الإنسان في دائرته الشخصية متحرراً من كثير من ضوابط الانتماء التقليدية.
هــذه الشخصية المفرطة سوف تجعل من كثير من الضوابط التقليدية الصارمة وهماً في أذهان الكثيرين لكنهم يصدمون بها حين يبدأون في الإبحار في الواقع الذي يوقظهم من الوهم على حقيقة لا يجدون لها تفسيراً، فيخرجون على هذا التناقض بشكل أو آخر لكن الوطن يدفع ثمن الخروج حين يعجز المواطنون عن حمايته من نفسه أي من أنفسهم هم مما يستدعي أن يستلهم نخبة منه روح التحدي ليعملوا فيه أذهانهم وتجردهم وتطلعهم إلى أفق يحمل بشائر وطن لا تجزئة الأوهام وإنما توحده أكثر وأكثر التحديات الجسام.
مــن بين هذه التحديات توفير فرص العمل ومكافحة البطالة والتغلب على الفقر ومقاومة التمييز العنصري والاجتماعي ورعاية الأرامل والمطلقات والعناية بالأيتام وإعادة التأهيل والرعاية الصحية وإعادة تأهيل المفرج عنهم وتوفير الأماكن المناسبة للترفيه العائلي وتهذيب السلوك العام في الأسواق والأماكن العامة والتوعية بأضرار المخدرات والتدخين والمسكرات وتوفير القنوات المناسبة لممارسة الشباب والأحداث هواياتهم ومكافحة الفساد والرشوة والدعوة إلى حدود أعلى من الشفافية ومحاربة الإعلام لها وحماية المستهلك، هذه جميعها عينة من قائمة طويلة يحتاج الوطن إلى قيام مؤسسات مجتمع مدني غير تقليدية تسعى إلى انتظام عدد كبير من الناس فيها بحيث تسهم بشكل فاعل في إحداث تغيير إيجابي وتطوير نوعي لحياة الناس، إذ أن البدايات الأولى لبعض المؤسسات التي قامت على هذه المجالات لم تكن تخرج عن صبغها بصبغة تعطيها لوناً باهتاً فقط، لكنها لا تعطيها مقومات الحياة والتوسع والاستمرار ومن هنا لم تؤد ولا حتى الحد الأدنى مما يمكنها القيام به لو أنها كانت مؤسسة مجتمع مدني تتوق إلى رسم آفاق مستقبل بعيد وليس مجرد التعامل مع الواقع كما هو وإعادة ترتيبه ليلائم التفكير النمطي أو محاولة إقناعه بقبول ما يمكن قبوله باعتبار ذلك هو الحد الممكن تحقيقه .
إنشـــاء مؤسسات قادرة على التجاوب مع التحديات المتجددة هي التي تستطيع أن تضمن للوطن وحدة أقوة وأعمق وأقدر على تحقيق التفاهم المشترك والتعايش المشترك والشعور بأن الأمانة يحملها الجميع وأن كل مواطن كريم وشريف بقدر ما يسهم في البناء وتحمل المسؤوليات ونشر الوعي والعطاء من وقته وفكره وماله من أجل رفع إنجازات للوطن من بينها الحب ومن بينها الولاء ومن بينها الوفاء ومن بينها كذلك الناتج القومي، وهو ما يحتاج إلى أشخاص يتنادون إلى إنشاء مؤسسات مجتمع مدني حديثة حداثة العصر ومدنية مدنية المجتمع وواعية بما وصل إليه أسلافنا في عصور الانفتاح وما وصل إليه غيرنا حين مارسوا الانفتاح لا ليرضوا غيرهم وإنما ليرفعوا من قيمتهم وليعرف غيرهم مكانتهم وأهميتهم، وما لم يبادر القادرون الآن إلى اتخاذ الخطوة الأولى في هذا الطريق فربما لن يبدأوا إلا بعد فوات الأوان حين يصبح كل مجموعة من الأشخاص أسرى أمام شجرة العائلة ولكن كل واحد منهم أسير التحديات العصرية التي جعلته شخصاً لا يكاد ينتمي إلا لذاته فقط بينما المقومات متاحة له لكي يصبح واحداً في وطن يسكن الجميع ليسكنه الجميع.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011