عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
الحاجــة إلى التوســع في التنظيم المؤسســاتي
الوطن في 15/3/1428هـ - الموافق 2/4/2007 م

لــم يعــد العمل الفردي ولا الجهد الذي يقوم به عدد محدود من الناس يحقق الثمرة المرجوة في التأثير على حياة الناس، كما أن التجربة التي تفوز بأعلى قدر من النجاح تصبح أقدر على تحقيق الآثار كلما تبناها عدد كبير من العاملين عليها، ومن ثم فإن قيام مؤسسات كبيرة ومتنوعة على الاحتياجات الأساسية والثانوية للمجتمع تعتبر من قبيل الضروريات في مجتمع يتحول من الانعزال إلى الانفتاح ومن المركزية إلى اللامركزية ومن الإقليمية إلى العالمية.
هنـــا في المملكة يسعى القادة إلى إصلاح يسهم في التغلب على تحديات العولمة، كما يسهم في امتصاص أكبر عدد من الشباب والفتيات في سوق العمل حتى لا يكونوا عرضة للانحراف والضياع والجريمة والإرهاب، ويتميز العمل في هذا المضمار بتشجيع الشباب والفتيات على اقتحام سوق العمل والبحث عن فرص العمل المتاحة وفيها ما فيها من تنوع في مجالات صناعية وتجارية ومهنية وحرفية بما يعد خروجاً أحياناً على ما ألفه المجتمع من الولاء لتقاليد وأعراف لا تبيح الخروج عليها كنبذ العمل في مهن تعدو وضيعة لا تسمح لصاحبها من ذوي مكانة اجتماعية معينة بالانخراط فيها فإن هو تجرأ وفعل ذلك نبذته فئته الاجتماعية بل وأعرضت عن تزويجه أو الانتساب إليه.
مثــل هذا السلوك يجهض كل مساعي الإصلاح ويجعل الإنفاق الحكومي في بناء مراكز التدريب وإعداد الشباب وتهيئة الفرص لهم غير ذي قيمة إذا اقتصر على فئة اجتماعية بعينها وأعرضت عنه فئات أخرى ترى أنها لا تنتمي إلى هذا النوع من العمل، وهو ما يرهق الخطة العامة إذ ستصبح الخطط انتقائية تترصد فئات دون فئات وقد يضطر البعض إلى الالتحاق بها بصفة مؤقتة مبيتاً النية على عدم الاستمرار فيها أو هجرها إلى سواها متى وجد الفرصة مواتية لذلك مما يجعل الإنفاق العام هدراً وتطلعات القيادة وطموحها وقفاً على المزاج العرقي أو القبلي، ويتركز في المجتمع من جديد فصل عنصري في ميدان من ميادينه لكنه ميدان مكلف جداً وحضاري جداً وغير تقليدي، إنه ميدان الاقتصاد الوطني والدخل القومي الذي تُقاس قوة الأمم به حين ينظر إلى حجم الناتج القومي ونصيب الفرد، فما قيمته الحقيقية إذا كان مقصوراً على فئات اجتماعية معينة دون أن يكون ميداناً يجمع الأطياف الاجتماعية بكل ألوانها.
والدولــة ــ أي دولة ــ مهما أوتيت من القوة والتأثير سواء أكانت شمولية مركزية أو ديموقراطية غير مركزية لا تستطيع قوانينها وتشريعاتها أن تغير المجتمع بل لابد من وعي عام ومن محركات من ذات المجتمع تحدث آثارها تغييراً في الفهم والثقافة، وتخلق في الوعي العام روحاً جديدة تسمح بانفتاح حقيقي لا يخضع لتقليد كان الناس في حاجة إليه أمام ظروف في يوم من الأيام لها مبرراتها أو دعاتها، أما الظروف الآن فإنها تقتضي الانفتاح لا الانغلاق والاندماج لا التمايز والتعايش لا التنابذ، وهذا هو التحدي الذي لن يتصدى له إلا المجتمع نفسه بآليات نجحت في إحداث التغيير في أماكن أخرى.
مــن هنا تبدو الحاجة إلى التوسع في مؤسسات المجتمع المدني وهي التي شهدت في الآونة الأخيرة انفراجاً في قيام بعض المؤسسات والجمعيات غير التقليدية مثل الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان وهيئة حقوق الإنسان لكنهما غير كافيتين في مجتمع يحاول جاهداً الصمود أمام رياح عولمة عاتية تكاد تعصف بكل شيء، ومن بين ما يحتاج إليه لصمود وثبات أن يسعى في التوسع في مؤسسات فاعلة للتعامل مع القضايا الجديدة والمشكلات الجديدة والتحديات الجديدة التي لم يكن يتوقعها أو لم يكن مستعداً لمواجهتها، ولعلها في هذا الوقت هي الوسيلة المناسبة للحفاظ على مدنية المجتمع أمام غزو شخصنة المجتمع الذي جعل من كل شخص جزيرة قائمة بذاتها له حاسوبه الشخصي وبريده الإلكتروني وجواله وجهاز استماعه ولعبته المحمولة ولاقطه الفضائي إلى آخر قائمة ما يغيب الإنسان في دائرته الشخصية متحرراً من كثير من ضوابط الانتماء التقليدية.
هــذه الشخصية المفرطة سوف تجعل من كثير من الضوابط التقليدية الصارمة وهماً في أذهان الكثيرين لكنهم يصدمون بها حين يبدأون في الإبحار في الواقع الذي يوقظهم من الوهم على حقيقة لا يجدون لها تفسيراً، فيخرجون على هذا التناقض بشكل أو آخر لكن الوطن يدفع ثمن الخروج حين يعجز المواطنون عن حمايته من نفسه أي من أنفسهم هم مما يستدعي أن يستلهم نخبة منه روح التحدي ليعملوا فيه أذهانهم وتجردهم وتطلعهم إلى أفق يحمل بشائر وطن لا تجزئة الأوهام وإنما توحده أكثر وأكثر التحديات الجسام.
مــن بين هذه التحديات توفير فرص العمل ومكافحة البطالة والتغلب على الفقر ومقاومة التمييز العنصري والاجتماعي ورعاية الأرامل والمطلقات والعناية بالأيتام وإعادة التأهيل والرعاية الصحية وإعادة تأهيل المفرج عنهم وتوفير الأماكن المناسبة للترفيه العائلي وتهذيب السلوك العام في الأسواق والأماكن العامة والتوعية بأضرار المخدرات والتدخين والمسكرات وتوفير القنوات المناسبة لممارسة الشباب والأحداث هواياتهم ومكافحة الفساد والرشوة والدعوة إلى حدود أعلى من الشفافية ومحاربة الإعلام لها وحماية المستهلك، هذه جميعها عينة من قائمة طويلة يحتاج الوطن إلى قيام مؤسسات مجتمع مدني غير تقليدية تسعى إلى انتظام عدد كبير من الناس فيها بحيث تسهم بشكل فاعل في إحداث تغيير إيجابي وتطوير نوعي لحياة الناس، إذ أن البدايات الأولى لبعض المؤسسات التي قامت على هذه المجالات لم تكن تخرج عن صبغها بصبغة تعطيها لوناً باهتاً فقط، لكنها لا تعطيها مقومات الحياة والتوسع والاستمرار ومن هنا لم تؤد ولا حتى الحد الأدنى مما يمكنها القيام به لو أنها كانت مؤسسة مجتمع مدني تتوق إلى رسم آفاق مستقبل بعيد وليس مجرد التعامل مع الواقع كما هو وإعادة ترتيبه ليلائم التفكير النمطي أو محاولة إقناعه بقبول ما يمكن قبوله باعتبار ذلك هو الحد الممكن تحقيقه .
إنشـــاء مؤسسات قادرة على التجاوب مع التحديات المتجددة هي التي تستطيع أن تضمن للوطن وحدة أقوة وأعمق وأقدر على تحقيق التفاهم المشترك والتعايش المشترك والشعور بأن الأمانة يحملها الجميع وأن كل مواطن كريم وشريف بقدر ما يسهم في البناء وتحمل المسؤوليات ونشر الوعي والعطاء من وقته وفكره وماله من أجل رفع إنجازات للوطن من بينها الحب ومن بينها الولاء ومن بينها الوفاء ومن بينها كذلك الناتج القومي، وهو ما يحتاج إلى أشخاص يتنادون إلى إنشاء مؤسسات مجتمع مدني حديثة حداثة العصر ومدنية مدنية المجتمع وواعية بما وصل إليه أسلافنا في عصور الانفتاح وما وصل إليه غيرنا حين مارسوا الانفتاح لا ليرضوا غيرهم وإنما ليرفعوا من قيمتهم وليعرف غيرهم مكانتهم وأهميتهم، وما لم يبادر القادرون الآن إلى اتخاذ الخطوة الأولى في هذا الطريق فربما لن يبدأوا إلا بعد فوات الأوان حين يصبح كل مجموعة من الأشخاص أسرى أمام شجرة العائلة ولكن كل واحد منهم أسير التحديات العصرية التي جعلته شخصاً لا يكاد ينتمي إلا لذاته فقط بينما المقومات متاحة له لكي يصبح واحداً في وطن يسكن الجميع ليسكنه الجميع.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011