عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
الفتوى .. حين لا تستحضر الواقع
الوطن في 22/3/1428هـ - الموافق 9/4/2007 م

كثيــراً ما أطلقنا لخيالنا العنان في الحديث عن انتشار الإسلام بالقدوة الحسنة وبالأخلاق التي جاء الرسول الكريم ? متمماً لها وبالصفات الحميدة التي اكتسبها تجار وعلماء وسواح مسلمون انتشروا في الأقطار، فرأى الناس منهم ما دفعهم إلى الإعجاب بهم وبسلوكهم فدخلوا في هذا الدين الذي أخرج هذه الشخصيات التي استحقت أن تكون نماذج لصياغة الإسلام للإنسان .
وكثيـــراً ما تحدثنا عن أخلاق المحاربين المسلمين الذين كانوا يتواصون فيما بينهم على أن يكونوا بعيدين عن التمثيل بالقتلى أو العدوان أو التعرض لغير المحاربين أو الاعتداء على الحدائق والأشجار وتسميم الآبار أو الإجهاز على الجرحى والأسرى والمصابين، ونقرأ ذلك في وصايا خلفاء وفي وصايا قادة جيوش الفتح حتى وجدنا من الكُتّاب الغربيين من يتحدث بإعجاب عما رآه أو قرأه أو سمع به من أخلاق سامية لم تكن لولا وجود أخلاق في دين ينتمي إليه هؤلاء المحاربون.
ثــم ها نحن اليوم نرى أن هؤلاء التجار وطلبة العلم والسواح لا يجدون في كثير من الأحيان ما لقيه أسلافهم من إعجاب وتقدير واحترام، بل إن الأخبار تتحدث أحياناً عن مخالفات لا يجرؤ على الإقدام عليها أشد الناس عداء للدين وأبعدهم عن أبسط مباديء الأخلاق سواء في مجال انحراف السلوك أو انحراف التعامل السوي مع أناس يجمعنا بهم رباط الإنسانية ووثاق الآدمية تحت المظلة العامة للحقوق الإنسانية.
بـــل إننا نعاني اليوم من كثير من جوانب الانفلات الأخلاقي المشين في التعاملات المالية وليس بعيداً عن البال ما نراه ونسمعه في أسواق المال وفي أسواق العقار وفي أسواق المساهمات التي لم تكد تترك أمراً من أمور أبواب المساهمات إلا وطرقته في سبيل ابتزاز المسلم لأخيه ثم في أمور الوظيفة العامة والأموال العامة حتى غدت للبعض وكأنها حق شخصي لا يعنيه أن يكون لغيره فيه نصيب، فإذا الشح يضرب بأطنابه على النفوس وإذا النهب يحكم بأنيابه على القلوب .
هــذا الانفلات الأخلاقي الذي جعل المال غاية الحياة وتضخيم الثروات أساس وجود الإنسان وإهمال الضوابط الأخلاقية التي يقتنى بها المال ضارباً عرض الحائط بحديث يسير بسيط في ألفاظه عميق بعيد الدلالات في معانيه وأهدافه "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع منها: عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه" "المسلمون من سلم الناس من لسانه ويده " ، إنها الضوابط التي تجعل المرء يحسب حساباً دقيقاً للكسب والإنفاق ولا يهمل في أمره حتى لا يقع في الهلاك !!
والمـــال مما تحبه النفس وتأنس إليه وتتعلق به لأنه يفتح الأبواب أمام الشهرة وهي مغرية وأمام أبواب كثيرة وراءها ما وراءها من المغريات وهو جميل ورائع ولكنه في جمال الصلاح "نعم المال الصالح في يد العبد الصالح"، أما إن جاء من طرق الحرام والفساد والكسب غير المشروع فإنه يدفع النفس إلى البحث عن مصادر إنفاق تتفق تماماً ومصادر الحصول عليه، وليس من السهل على النفس أن تأخذ حراماً لتتصدق به .. لأنها لن تجد الراحة.
ومــن بين ما تتعلق به النفس وتميل إليه الجنس لأنه يفتح الأبواب على الإعجاب وممارسة الإغراء والتعلق بالجمال وإطراء الحسن والبحث عن الجديد في عالم الآخر الذي يتمتع بالإثارة وهي أحاسيس إن لم تجد ضابطاً يردها إلى أصل جميل خرجت عن حدود الأخلاق وتعلقت بسبل الفساد والإفساد وبحثت عمن يعين على تيسير الوقوع فيه طالما أن التبرير مما تأنس النفس إليه أخذاً بمقولة "خل بينك وبين النار مطوع" .
وطـــالب العلم الذي يتغرب في سبيل كسب المعارف والحصول على الزاد المتين لبناء البلاد وتشييد صروح المعرفة والتعلم لا يحتاج إلى من يدله إلى الطرق التي يخفف بها من سعار الجنس طالما أنه يتحسس لذة الوقوع فيه، وإلا فالحكمة إذن منتفيه من هذه الغربة التي توقع في جريمة الزنا الظاهر والمستتر أو المشروع وغير المشروع، إذ أن النفس المتعلقة بالجمال الرفيع لا تبحث لها عن جمال وضيع تتلمس من يعينها على الولوج إليه والوقوع فيه.
تخيـل نفسك وأنت في مناسبة دعوية راقية وتتلفت في الوجوه من حولك فترى السمات التي تجعلك تشعر بالأمان والسكينة ثم حين يفتح باب المزاد عن عدد الزيجات التي أبرمها كل واحد منهم في باب "النكاح بنية الطلاق" تقرع أذنيك الأعداد (70 ، 40 ، 30 ، 18) زيجة، فإنك تشعر بالغثيان وتود لو أن هذه المناسبة الدعوية كانت شيئاً آخر إلا أن تكون لها صلة بالإسلام الذي هو "الانقياد لله بالطاعة" والإسلام يحرم الغش ويحذر منه في صراحة مطلقة "من غشنا فليس منا" ، بل إن التفاخر يصل حداً يشعر بالمهانة والإذلال.
إننــــا في أمس الحاجة إلى من يوقظ فينا ضمائرنا ويحرك فينا آدميتنا ويزرع فينا إنسانيتنا حتى نرتقي على أنانيتنا ونكف عن الغش وإلا فما الفارق بين من يعقد عقد زواج وهو يبيت نية الطلاق وبين من يدخل المسجد بنية الصلاة وهو يكتم نية سرقة أحد المصلين وبين من يعقد عقد شراكة وهو يضمر خيانة الشريك، إنها النية التي جاءت في صدر الحديث النبوي: "وإنما لكل امريء ما نوى" ، والطالب الذي يتغرب من أجل العلم والمعرفة وفي نيته غش إحدى زميلاته وسرقة لحظات لذة معها تحت مسمى زواج عابر، سوف لن يتردد أن يفعل بفتيات مسلمات كما فعلها فرسان المناسبة الدعوية، بل لن يتردد هذا عن غش بلده وسرقة لحظات من ممارسة الوظيفة العامة أو الخاصة أو ريالات من الخزينة العامة أو الخاصة تحت أي تصنيف طالما أن للغش باباً يلج منه .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011