عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
مقاطع البلوتوث .. والإجراء القاطع
الوطن في 6/4/1428هـ - الموافق 23/4/2007 م

لـم يكن الفاصل الزمني طويلاً بين تداول مقاطع البلوتوث وعرضها في قناة الجزيرة وبين قرار الإدارة العامة للسجون بتوقيف حارسين في أحد السجون والتحقيق مع آخرين، والمقاطع توضح قيام أحد الحراس بمشاركة زميله في الاعتداء بالضرب على سجينين بطريقة جعلت بعض المعلقين في القناة أو الساحات تصفها بأنها مشاهد تعيد إلى الأذهان ما حصل في أبو غريب من قبل السلطات الأمريكية، والعبرة هنا ذات مسارات متعددة من بينها هذه الخطوة بالإدارة العامة للسجون التي تجاوبت مع الأمر بطريقة تنم عن روح المسؤولية ومواجهة الموضوع بكل شجاعة.
كــان المنظر مقززاً ومثيراً للشعور بالغيظ ويتخيل الإنسان العاقل أن من بين مشاهدي هذه المقاطع أو المشاهد التلفزيونية أقارب هذين الشابين ويتخيل أيضاً ما يلحق بهما وبأسرتيهما من شعور بالإهانة والإحباط بل والرغبة في الانتقام وهي مشاعر لا يمكن إنكارها ولا تجاهلها، فالإنسان هو الإنسان وإنما هي مواقف الحياة تجعل الأشخاص في مواقع مختلفة فيظلم هذا ويتجاوز هذا، وربما لو أدرك المعتدي أن هنالك رقابة وأنه سيكون تحت الأنظار في لحظة من اللحظات لفكّر أكثر من مرة قبل أن يمد يده معتدياً.
أمــا الموقف الجميل للإدارة العامة للسجون فهو إيقافها الحارسين والتحقيق مع آخرين وتلك خطوة تدل على أن الإدارة تعرف جيداً أن القيادة تقتضي أن يعطى كل موقف ما يستحق من اهتمام ومن إقدام ومن تحمل التبعات، وأن كل فريق لابد وأن يكون فيه من لا يقدر العواقب ولا ينظر إلى التبعات، فإن وجد من يحميه إن أخطأ ومن يحتضنه إن تجاوز ومن يغض الطرف إن أهمل فسوف يشجع هذا الآخرين على أن يفعلوا ما فعل، أما إن كانت المسؤولية والشفافية والنزاهة هي المعايير التي يحتكم إليها الجميع فإن ذلك يدعو كل واحد إلى بذل الجهد في الإتقان وأداء العمل بشكل منضبط وأن التجاوز له حسابه .
هــذه الخطوة التي اتخذتها الإدارة العامة هي ضرورية لكنها ليست كافية بل عليها أن تبين ملابسات الحادث ومكانه والعقوبات التي تم اتخاذها بشأن الحارسين، وما هي الضوابط الكفيلة بعدم حصول هذه الحادثة في سجون أخرى، أو تكرارها في نفس السجن، إذ أن هذه الأمور سوف تعطي طمأنينة أكبر ومصداقية أعلى لدى المساجين وأقاربهم أنهم في مكان أمين وفي جو تسوده الطمأنينة، حتى وإن كانوا أخطأوا فإنهم يخضعون لنظام يبين الجريمة والعقوبة ويحترم الإنسانية ويحافظ عليها ولا يتجاوز ذلك إلى أن يُتركوا في حماية من لا يوفرون لهم الحماية.
حيــن ننتقد الولايات المتحدة في تجاوزاتها في أبو غريب وغوانتانمو وبغرام والسجون العائمة والطائرة والسرية إلى آخر قائمة تجاوزاتها بشأن المعتقلين فإنما ننتقد انعدام النزاهة في التعامل مع معتقلين إما يقضون عقوبة أو ينتظرون محاكمة وفي الحالين لا يليق بنظام يدعي الديموقراطية والحرية والمساواة بل ويسعى في توفيرها للآخرين أن يخالف ذلك مع معتقلين حتى وإن كانوا مجرمين فالتعذيب ذاته ليست عقوبة ولكنه تعد وتجاوز ومخالفة لحقوق الإنسان، ولأن السجين مواطن والسجان مواطن أيضاً فهم إخوة في الوطن وإخوة قبل ذلك في الدين بل وأحياناً في الدم، ولا ينبغي أن يترك لمواطن حتى وإن كان سجاناً أن يعبث بهذه المقومات لأنها جزء من الأمانة التي استحفظه عليها ولاة الأمر، وحين يصادر هذا الحق الذي هو حق الوطن فإنه بذلك لن يختلف في شيء عن السجين الذي لابد وأنه أخطأ حتى يدخل السجن، ولذلك فإن من حقه أن يحافظ عليه وأن يعتنى به وأن ينظر إليه على أنه إنسان في بلاء يستحق العطف والشفقة والإحسان.
ولـو لم يسع أولو الأمر في توفير الجو العام الذي يجعل من السجن مكاناً لاستصلاح من أخطأ حتى يعود يمارس دوره في بناء وطنه وحماية مجتمعه والإسهام في تحقيق الخير لأهله وبلاده لما كانت الإدارة العامة للسجون حريصة على الإعلان عن خطوتها في الاستجابة للحدث، بل إن إطلاق مسمى إصلاحيات بدلاً من سجون هي في حد ذاتها خطوة لها دلالاتها وأبعادها التي تلزم الجميع بالتعامل معها بمضامينها التي توحي بأن الغرض من إنشاء هذه المرافق هو تحقيق الإصلاح في حياة أفراد المجتمع وإتاحة الفرصة لحياة أفضل.
ثــم إن المشاهدات في المناصحة والاهتمام بالعائدين من جوانتانامو وأفغانستان وغيرها من المعتقلات إنما هو دليل آخر على أن ولاة الأمر يسعون في تحقيق اندماج إيجابي لهؤلاء العائدين أو التائبين أو الذين تمت مناصحتهم فاستجابوا، والأمر يحتاج إلى أن يكون المجتمع كله صاحب مبادرات تحقق توازناً أكبر وتعطي آمالاً بأن الجميع يهمهم أن يسود الوئام وأن يكون هناك حرص على حوار شفاف حتى وإن كان قاسياً فالحوار أقدر على إيصال الرسالة بما هو أبلغ وأعمق بكثير من أصوات الرصاص أو من لسعات السياط أو حتى من الزنازين .
بقــدر الألم والشعور بالأسى وأنا أشاهد مناظر الضرب والاعتداء كان عندي شعور كبير بالأمل والابتهاج للموقف الجميل الذي اتخذته الإدارة العامة للسجون بإيقاف الحارسين والتحقيق مع آخرين، وآمل أن تكتمل الفرحة لنا جميعاً بالإفصاح عن نتائج التحقيق وإنصاف المسجونين إن كان قد نالهما ظلم من الحارسين، وبيان الحقوق التي يتمتع بها المساجين حتى لا يعتدي عليها جاهل لا يدري بأن في البلد مسؤولين لا يسمحون لأحد بالاعتداء على حقوق المواطنة أياً كان موقعها ولا أحرم نفسي من أمل في مكافأة الذي التقط الصورة فكانت عيناً من داخل السجن على سوء معاملة تقتضي أن تكون هناك محاسبة عليها وإفصاح عنها .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011