عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
إنها حرب العقلية الأمريكية
الوطن في 27/4/1428هـ - الموافق 14/5/2007 م

فـي مقاله الذي نشره في صحيفة نيويورك تايمز في عددها الصادر يوم السبت قبل أمس لم يجد عمدة نيويورك السابق رودي جولياني ما يشد به الظهر ويحرك به المشاعر ويهز به ضمائر المتبرعين لحملته إلا الدعوة إلى أن يكون لدى أمريكا جيش عظيم داعياً إلى إنشاء عشر فرق جديدة تضاف إلى الموجود الآن وجاء عنوان المقالة بحد ذاته دعوة إلى تحقيق هذا المطلب : "عالم اليوم يحتاج إلى جيش أكبر" .
لــم يكن العمدة ليبدأ الحديث عن هذا المطلب الانتخابي دون الغوص في تاريخ أمريكا في القرن العشرين مستشهداً بالحالة التي كان عليها هذا الجيش بعد انتصاره في الحرب العالمية الأولى حين تم تخفيضه بنسبة (90%) ثم في الحرب العالمية الثانية حيث وصل إلى تسعة ملايين فرد لينخفض بعدها إلى أقل من نصف مليون في عام 1948م واستعرض الثمانينات والتسعينات في تجييش واضح لفكر وعاطفة الناخب الأمريكي حتى يكسب الرهان في مجتمع يحتاج إلى تجييش في الغالب عند كل حملة انتخابية .
ثــم يخلص من كل المقارنات والأرقام إلى مغالطة جديدة حين يطلق على أمريكا اليوم جيل الحادي عشر من سبتمبر وكأنها موقعة بيرل هابر من جديد يستحث بها الجهد ويستنهض العزم حتى يحرك في الأمريكان نخوة الاستجابة والانطلاق وراء المحارب الجديد الذي سوف يقودهم إلى معارك النصر التي بدأ يعد العدة لها ويضع النسبة المناسبة من الدخل القومي لصرفه على إعادة بناء الجيش الأمريكي لمواجهة من ؟!
العــدو الذي لم يجد العمدة سواه هو العدو الذي لم يجد القادة الأمريكيون غيره يستخدمونه في حملاتهم الانتخابية وفي الوقوف أمام الكاميرات التليفزيونية في المناسبات العامة، وهم لا يجدون غضاضة في بث الرعب والخوف في نفوس الناخبين وتصوير هذا العدو وهو يوشك أن ينزل بينهم ليقض مضاجعهم، فالعمدة يذكرهم في مقالته بأحداث محاولة تفجيرات البرجين عام 1993م ثم أبراج الخبر في السعودية عام 1996م ثم السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998م، وأخيراً المدمرة كول في عام 2000م، مقتفياً مسلك القاعدة في إطلاق اسم الغزوات على هذه التفجيرات، ولم لا يلجأ إلى هذا الأسلوب طالما أنه يحقق له أصواتاً ويدر عليه تبرعات ويقربه من نقطة الفوز في الانتخابات ؟!
هـــل لنا أن نتوقع قائداً جديداً في أمريكا يأتي إلى العالم منادياً بسلام يحقق عدالة وتحرراً من الظلم الأمريكي ؟ هل لنا أن نرى من ينادي بمحاسبة بوش ومن وراءه من المحافظين الجدد على الأرواح العراقية التي أُزهقت والدماء التي أُريقت والأموال التي نهبت والبنية التحتية التي دمرت والثروة النفطية التي اُختُلِست ؟! هل من قائد عظيم يأتي لينادي بأن هذه الدولة العظيمة سوف تسخر قدراتها في سبيل انتشال الكثيرين من الفقراء من وهدة الفقر، والجوعى من أنياب الجوع والمرضى من مخالب المرض والمحرومين من قفار الحرمان ؟!
ثــم هل من نفوس حرة في المنطقة هنا تنادي بتحرير هذا الجزء من العالم من الهيمنة الأمريكية والغطرسة الأمريكية ومن التبجح الإسرائيلي ومن التوسع الإيراني غير المبرر ؟ هل من دعوات يطلقها ذوو العزم من القادة والمفكرين والمحامين وأصحاب الأموال وأصحاب العقول لتحرير هذا الجزء من العالم من تطرف بعض أبنائه وحربهم أنفسهم وأهليهم، ومن استبداد البعض الآخر بالنفوذ والثروة ومن تخلف آخرين في سراديب الجهل والاستغفال ؟ هل من رجال ونساء يضعون نصب أعينهم أن يكون هذا الجزء من العالم مصدر سلام وموئل إتقان في جوانب من الحياة تجعل منه مكاناً للتأمل والنظر والعمل والبناء بعيداً عن أطماع الداخل والخارج ؟
علينــا ــ بحسب قدراتنا وطموحاتنا ــ أن نمارس سياسة قطع الطريق على هؤلاء الذين تضعهم شركات وأصحاب مصالح في الواجهة فيسوقون الحروب والخلافات وعدم الاستقرار حتى تزداد الأرصدة، وحتى يظل الضعاف بحاجة إلى الأقوياء والفقراء بحاجة إلى الأغنياء، وجميل جداً أن يخرج علينا هذا العمدة بهذه المقالة التي تكفي في توصيف العقلية الأمريكية التي كثيراً ما تنادي بالحرية والعدالة والسلام وهي لا تعرف إلا الجيوش والحروب والدماء سبيلاً إلى الوصول إلى حلم يراود عقول من تباينت أهدافهم واتفق مقصدهم .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011