عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
هذه الجامعات .. فأين المعلمون ؟!
الوطن في 19/5/1428هـ - الموافق 4/6/2007 م

منــذ الطفرة البترولية في منتصف السبعينات والطفرات تلاحقنا وتفقدنا توازننا وتفسد علينا ما نألفه من حياة فيها قدر من الاستقرار والهدوء وكأنه أصبح حتماً علينا أن نعيش نصارع القلق، حيث قادت الطفرة الأولى إلى العقار والمخططات وهجر الوظيفة الحكومية، ثم انحسار منتصف الثمانينات حتى وضعت حرب الخليج الثانية أوزارها وبدأت الحياة تتدفق من جديد ثم أخذتنا أسواق الأسهم وآمالها وآلامها إلى عالم جديد حتى إذا كثر ضحاياها وخمد أوارها بدأ العقار من جديد في صورته الجديدة وبدأت معه أوعية استثمارية فيها من الأساطير والخرافات ما في كثير من القنوات التلفزيونية وما في كثير من ساحات الرقى والقراءات الشرعية وغير الشرعية من حقائق وأوهام.
ولأنــنا محظيون بالطفرات فقد كانت واحدة منها في الآونة الأخيرة هذا الإسقاط الطاريء للعديد من الجامعات في مدن مختلفة من أنحاء المملكة، في الوقت الذي لم نستفق فيه بعد من زلزال التصنيف الجامعي العالمي بما فيه من حق أو باطل وبما فيه من حقيقة أو خيال، إلا أنه خلق مناسبة جعلت الناس يتحدثون بشيء من الموضوعية أو المسؤولية عن الجامعات وأدائها ومستوياتها وعن قدرتها على تحقيق الرسالة التي تقوم عليها في عالم يتسارع في التحول إلى عولمة لا تعرف حدوداً ولا تكاد تعرف موطناً إلا عند القادرين على أن يحفروا بأفكارهم لا بأظفارهم مواقع لأوطانهم على خريطة التفوق العالمي.
لقــد غفونا سنين طوالاً عن التعليم الجامعي والتوسع فيه والاهتمام به على مستوى النمو الداخلي للجامعات من حيث الاستمرار والتوسع في اختيار المعيدين وابتعاثهم لنيل شهادتي الماجستير والدكتوراه إلى جانب الإنفاق بسخاء على حضور المؤتمرات والبحث العلمي ونشر الأبحاث وإيجاد القنوات التي تشجع على النشر بالمجلات والكتب والمعارض، وكذلك إتاحة الفرصة للجامعات للإسهام بدور فاعل في نشاط القطاع الخاص عن طريق الدراسات والبحوث والتشجيع على المنح العلمية والبحثية بما يتيح لأساتذة الجامعة وطلابها أن يتفاعلوا مع المجتمع من حولهم بما يجعل الجامعة بؤرة حياة المجتمع وأساس تطوره ونموه .
هــذه الغفوة طالت إلى الدرجة التي جعلت الدكتور عبدالله العثمان مدير جامعة الملك سعود يطلق صرخة استغاثة عن الوضع الذي آلت إليه الجامعة الرائدة الكبرى من أن التسرب الطلابي فيها وصل إلى (45%) وأن الكثير من الأساتذة هم خارج الجامعة بشكل كامل أو نسبي مما دعاه إلى تخييرهم بين الجامعة أو ما سواها وأن نسبة الإنفاق على صيانتها لا يتجاوز (10%) مما ينبغي إنفاقه، ومعالي المدير يتحدث بهدوء العلماء وعلم الخبراء فهو ابن الجامعة والتعليم العالي، وهو أيضاً الهاديء الرزين الذي لا يحب الإثارة ولا يبحث عنها، وإنما هي صرخة الحر الذي أوجعته الفاجعة فأطلق لها مشاعره وأحاسيسه.
هــذه حالة جامعة واحدة قام فيها صاحب ضمير بإطلاق صيحة إنذار لعلها تنبه آخرين إلى ضرورة الاهتمام بحال الجامعات وليس بعيداً أن تكون الحال أسوأ بكثير مما سمعنا ولكننا في حاجة إلى ذي جنان سليم، يضاف إلى ذلك الصرخة التي أطلقها بالأمس في "الاقتصادية" الأستاذ إبراهيم اليوسف "من وراء الباب" عن سبعين شهادة مزورة لأستاذات في كلية التربية للبنات، وينكر بشدة على لجان التعاقد إهمالهم وعدم قيامهم بواجبهم وأنهم ربما شغلهم عن التعاقد والتحقق من صحة وسلامة الوثائق انشغالهم هم أنفسهم بالنزهات والفسحات العائلية وتفويض غيرهم للقيام بأمور التعاقد كاملة.
إذا كان هذا هو الحال في الجامعات القائمة منذ عقود من الزمان ويفترض أن تحرص على التفوق وعلى التميز واستنساخ القيادات العلمية على نحو متين، فكيف نستطيع توفير الكوادر العلمية التي تقوم على جامعات كثيرة تنشأ دفعة واحدة تستقبل جميعها طلاباً في تخصصات تحتاج إلى من يقومون باقتدار على تعليمها، هذا إلى جانب الجامعات والكليات الأهلية التي تتنامى وتحتاج هي أيضاً إلى من يقومون على إدارتها وعلى التعليم فيها، ناهيك عن مراكز البحث العلمي ومراكز خدمة المجتمع.
هـــذا عن الأساتذة .. فماذا عن الخريجين ومجالات استيعابهم وماذا عن قدراتهم وإمكاناتهم وماذا عن فرص العمل التي يجب استحداثها كل سنة حتى لا يتخرج الطلاب من المؤسسات التعليمية سواء أكانت جامعية أو ما دون الجامعية ثم يجدون أنفسهم عالة على أسرهم يتكففونهم احتياجات حياتهم ومتطلبات وجودهم، وهل ستضيف هذه الجامعات المزيد من العاملين أم العاطلين، وهل ستستقطب خريجي المدن الثانوية فيها أم ستدفعهم إلى المدن الرئيسة حيث الفرص أفضل إلى حد ما .
أمــا المتعاقدون فإن الأمر يقتضي حسن الاختيار أولاً وحسن المعاملة ثانياً، فالذي يؤتمن على إعداد الجيل ينبغي أن يؤتمن على ما هو دون ذلك، فلا يطبق عليهم ما يطبق على العمال والسائقين بل يفتح لهم باب التنقل والسفر واسعاً ولا توضع عليهم قيود تؤثر في إنتاجيتهم، ويستصدر لهم نظام خاص للراغبين في الحصول على الجنسية غير المعمول به الآن بحيث يوضع هدف سنوي لمنح الجنسية لأساتذة وأستاذات جامعيات، وسوف تكون المملكة هي المستفيد الأول من هؤلاء إذا ما أحسن اختيارهم وتحفيزهم.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011