عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
جوانتانامو ومعتقلات النازية
الوطن في 26/5/1428هـ - الموافق 11/6/2007 م

تظــل الإدارة المتطرفة الحالية في الولايات المتحدة تتلقى الصفعات اليومية وهي تزداد إصراراً وعناداً على كتابة صفحات من تاريخ أسود يحتاج إلى عشرات السنين لإصلاحه والقضاء على كثير من الجوانب التي كانت تتمتع بها أمريكا على نحو نسبي، وكأنها أقصت الدول الشمولية كالصين والاتحاد السوفيتي وغيرهما لتحتل مركزاً أسوأ بكثير مما كان لهذه الدول من المعتقلات والتعذيب والتعامل مع نظم تابعة تحقق لها ما تريد من اعترافات تُنتزع انتزاعاً تحت طائلة البطش والترويع .
وجوانتانامو يشكل واحدة من هذه الصفحات السوداء التي سطرتها هذه الإدارة بما جبلت عليه من سبق إصرار وترصد لإيقاع أكبر عدد من المسلمين إما في المعتقلات أو تحت ركام المنازل والمباني في قصف زلزالي مروع، ويلاحظ أنها حرصت منذ اللحظة الأولى على تصنيف يجنبها الخضوع لأحكام الاتفاقيات الدولية والمعايير الأخلاقية فجاءت بتسميات تمكنها من ملاحقة من تشاء وتصفية من تشاء متى تشاء دون الخضوع لأي إتفاق دولي حيث اختارت ــ على سبيل المثال ــ "محاربين أعداء غير شرعيين" لمن تصطادهم ثم وضعتهم في معتقلات خارج الحدود الأمريكية حتى لا ينطبق عليهم القانون ثم تفننت في تعذيبهم بدون السماح للمنظمات الإنسانية أو الحقوقية بالزيارة أو الإطلاع .
والجميــع يعرف كيف كانت تشتري بعضهم من المافيا الأفغانية أو الباكستانية مقابل حفنة من الدولارات في عمليات لا يعرفها الإنسان الذي يعيش في الأدغال أو الغابات، ولا نقول المتحضر الذي يعرف القوانين ويحترم القوانين، والجميع يعرف أيضاً أن كثيرين منهم لم يكونوا يحاربون أصلاً وإنما يقومون بأعمال إغاثية وحتى إن حاربوا فوجودهم كان سابقاً لأحداث الحادي عشر من سبتمبر ولا علاقة لهم بأحداث الحادي عشر نفسها وإنما ضمن الحماس الذي لا يزال يعيشه كثيرون في عهد طالبان أو ما قبل طالبان وهي ظروف استثنائية جاءت في بداياتها بترتيبات من وكالة الاستخبارات الأمريكية ومن ساعدها في توظيف الجهاد أسلوباً لمقاومة الشيوعيين الغزاة وبقيت الروح تتنامى وتتفاعل .
اليــوم يختم هذا المعتقل أكثر من خمس سنوات من إنشائه ليصبح معلماً لإدارة تمارس الإرهاب الذي تدّعي محاربته والبطش الذي تحذر منه وانتهاك حقوق الإنسان التي تزايد على احترامها والحفاظ عليها، ومع كل هذه السنين والحكومة نفسها تتلقى الانتقادات من الحلفاء قبل المخالفين ومن الكونجرس والصحافة، ومع كل ذلك تعجز عن إدانة شخص واحد فقط في محكمة نصف عادلة، حتى إذا انعقدت المحكمة العسكرية الأولى برّأت الإثنين من المعتقلين الذي قدما للمحاكمة على اعتبار أن التصنيف الذي اختاره الشيطان للإدارة لا يمكن لها إثباته وبالتالي فليس لهما إلا البراءة .
ولــدى وصول الرئيس الأمريكي إلى ألمانيا كان حكم القضاة العسكريين في جوانتانامو من بين ما واجهه به الصحفيون فأبدى احتجاجه عليه في إشارة إلى أنه قد يمارس "الفيتو" وهو الشأن الذي يغلب على أداء هذه القيادة مما يوحي بأنها تعمل وحدها بمعزل عن الضمير العام والمناخ المنطقي السائد.
جــاء قرار المحكمة العسكرية بعد وفاة أربعة من المعتقلين في ظروف تدعي الإدارة انتحارهم ويشير ذووهم وبعض المقربين منهم في المعتقل إلى أن النهاية جاءت بسبب التعذيب، وفي الحالين فإن دماء هؤلاء هي في رقبة عصابة الطغيان والإرهاب التي لم تجعل للحق والعدل سبيلاً لهم فلا محاكمات ولا زيارات لمنظمات دولية ولا إدانات يعرف الناس أن هؤلاء أصحاب جرائم يستحقون بموجبها التوقيف، وحتى إن صحت رواية الإدارة عن انتحارهم فإنما هي النتيجة الحتمية للظلم الذي لا تطيقه النفوس السوية ولا يجد العاقل من عقل يعينه أو منطق يستند عليه في مواجهته، ومع ذلك كله تذهب الإدارة مذهباً غريباً في تصريح لوزارة الخارجية الأمريكية يجرمهم باعتبار انتحارهم عملاً دعائياً لشد الانتباه إلى أمر المعتقل، وتلك من بين خصائص إدارة لا تعرف في الإنسان إنسانية وإنما تريد أن يكون وقفاً لأهوائها وانحرافاتها .
هنــاك دعوات لإغلاق المعتقل ولكنها لم تجد أذناً واعية من الإدارة، كما أن أكثر أفراد عصابة الشر الذين خططوا لهذه المآسي في جوانتانامو وفي العراق وأفغانستان وغيرها من بقاع العالم الإسلامي سقطوا حين أنكشف سوءهم وأصبحوا إما في السجون أو مطرودين من مناصبهم أو متلاعنين فيما بينهم لأن الباطل لا يصمد طويلاً، ذلك أن ساعاته معدودات وإن بلغت السنين، ولكن ذلك لا يكفي بل لابد من محاكمة ومن قضايا تفتح فيها الملفات لهؤلاء الذين يرون أنهم فوق القانون، وهو الذي جرى العمل به عقوداً طويلة من الزمان واختارت دول العالم الاحتكام إليه في مثل هذه الحالات.
ثــم ما الذي يسلب حق هؤلاء المعتقلين الذين لم تثبت الإدارة عليهم أي مخالفة حتى الآن، وما الذي يمنح الحصانة لمرتزقة بوش الذين يمارسون أعمالهم في العراق وأفغانستان مخالفين أحكام القانون الدولي في حالات الحروب، ومنتهكين حقوق أبرياء كثيرين من المدنيين تعذيباً وتقتيلاً وتدميراً لممتلكاتهم، ثم يعطون مع ذلك كله الحصانة التي لا تسمح بمحاكمتهم أو إيقافهم، بل إن أكثرهم يعملون بموجب عقود لا تبين أنهم مرتزقة وأنهم إنما يعملون لصالح الجيش بمسميات خدمية مبهمة، بينما هم في بعض الأحيان يحاربون نيابة عن الجيش، حيث يصل عددهم إلى ما يقارب القوات النظامية نفسها.
وأخيراً ما الفرق بين معتقل جوانتانامو والمعتقلات التي كانت أو ما تزال في العراق وأفغانستان إلى جانب المعتقلات العائمة والطائرة أو المستأجرة في دول أخرى وبين معتقلات النازيين، وما الفرق بين تعذيب الإنسان في هذه المعتقلات الأمريكية وبين التعذيب الستاليني وغيره مما تندد به الديموقراطية الأمريكية، إن كان هناك عجز اليوم عن المجاهرة بالنقد أو حتى الدعوة إلى محاكمة المحافظين الجدد وجرائمهم فإن التاريخ لن يتركهم بل سيكون له كلمته التي لا تحابي أو تجامل أو يمزقها الخوف .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011