عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
ما بعد عواصف السوق
الوطن في 3/6/1428هـ - الموافق 18/6/2007 م

هــدأت عواصف الأسهم التي أحاطت بالسوق على مدى شهور طويلة وبدأ كثيرون يلملمون الجراح ويلتقطون الأنفاس ويتحسسون أبدانهم وعقولهم وأرواحهم بحثاً عن حقيقة أنهم لا يزالون بخير يستقبلون صباحاً جديداً وينعمون بمساء جديد، وهو الهدوء الذي كان الناس في حاجة إليه، وكانت السوق في حاجة إلى أن تعود إلى المستويات التي تريح المتعاملين فيها حيث أن تلك الآفاق العالية التي وصلت إليها صعدت بكثيرين لتلقي بهم من الأعالي ففقدوا ما فقدوا من أموال أو عقول أو أرواح.
اليــوم وعلى مدى شهور طويلة تراوح السوق حول مستوى لا يجنح بها بعيداً، فقد تنخفض وقد ترتفع ولكنها انخفاضات وارتفاعات يحتملها الناس ويستطيعون أن يبنوا توقعات معقولة تسمح لهم بقبول نتائجها حتى وإن جاءت مخالفة لما حلموا به لأن الأمور تتحرك في الحدود الآمنة، وغاب عن السوق الكثير من الشائعات والترويج لها عبر الجوال أو في المجالس أو حتى الصحف مما أوجد الآن مناخاً فيه الكثير من الطمأنينة والشعور بالأمان، بعد فترة كان الناس محكومين بالشائعة ومحتكمين إلى الشائعة .
يضــاف إلى ذلك الانحسار الكبير في الترويج لمشاريع وهمية أدت إلى عواقب مشينة لأصحابهم أو المنخرطين فيها لما اشتملت عليه من إيهام وتغرير ووعود ليس لها أساس من الواقع أو الأمل المبني على واقع، ولكن لا يزال الذين استغلوا رغبة كثيرين في أموال سريعة يتخفون عن الأنظار ويتهربون من النظام، إما لأنهم لا يريدون أن يعيدوا للناس أموالهم أو لأنهم قد خسروا هذه الأموال في عواصف سوق الأسهم التي ابتعلت الكثير من المال والبشر .
ولأن الحاجة أم الاختراع فكان لابد من اختراع مكاتب لتوعية الناس بمسؤولياتهم وبحقوقهم في توجيه استثماراتهم إلى القنوات الصحيحة في إطار من الدراسة المناسبة والفهم المناسب أيضاً، والشعور بأن المال الذي تقوم به الحياة يحتاج في كثير من الأحيان إلى من يحسنون القيام عليه حتى تأخذ الحياة مسارها الصحيح في توظيف الإمكانات والموارد والحصول على عوائد على مدى فترة طويلة لا تخضع لاستثناءات لا تستند إلى واقع ولا إلى يقين.
وقيــام مكاتب أو إنشاء شركات استشارية يستهدى بها المدخرون والمستثمرون والمتعاملون في الأسهم والعقارات وأوجه الاستثمار الأخرى هي واحدة من هذه الحاجات التي ألجأت الناس إلى اختراع كان المفروض أن يسبق تلك العواصف الجامحة التي اجتاحت السوق في مناشطه المختلفة حتى أفقدت الناس ما أفقدتهم، لأن الدراسة الجيدة تعطي توصيات جيدة، والفرص المتاحة تحتاج إلى دراسة تبين الآثار المتربة على الاستفادة منها أو الخروج منها إن لم تكن مناسبة.
والملاحـــظ في بعض هذه المكاتب أو الشركات وجود أسماء ذات تاريخ أكاديمي أو استثماري سليم بحيث تطمئن النفس إلى المعرفة التي يتمتع بها القائمون على هذه النشاطات، لكن الزمن وحده كفيل ببيان صحة هذه الفرضية، حيث أن السوق هنا لها جوانب تكاد تخصها من حيث الاكتتابات المتلاحقة التي تتمتع بها ومن حيث طبيعة علاوة الإصدار وكذلك بعض المعلومات الداخلية التي يستفيد منها البعض دون غيرهم، مما يرجح أن بعض المشكلات لا تزال تهيمن على السوق .
جمهــور المتعاملين مع هذه الكيانات الاستشارية هم خير من يحكم لها أو عليها لكن هنالك عوامل أخرى يفضل اللجوء إليها وأهمها في الوقت الراهن مدى وجود شريك استراتيجي يقدم الخبرة ويساعد في الحكم على الفرص التي يطرحها السوق من حين لآخر والتقارير التي تبثها كل مؤسسة استشارية ومدى قدرتها على إقناع الناس أنها تمارس نشاطاً علمياً وأخلاقياً في الوقت نفسه، تلك هي العوامل التي تجعل الناس يشعرون بالطمأنينة للتعامل وتحقيق الاستقرار.
وكلــما آتت هذه الاستشارات ثمارها كلما تحسنت الأمور ونما الاقتصاد وشعر الناس بالثقة وانطلقت وتيرة التوسع والنمو على أساس متين بدلاً من التشكيك والتخويف الذي يجعل المستثمرين والمدخرين مترددين لا يعرفون متى يقدمون ومتى يتراجعون، بل يسعى البعض إلى الهروب إلى النفق الاستهلاكي طالما أن استثماره لا مردود له بل لا ضمانات له.
هنــا يكمن الوعي الذي تنشئه هذه المكاتب والشركات ويقود بالضرورة إلى أن يعرف الناس أن الادخار علم والاستثمار علم والاستهلاك ــ أيضاً ــ علم وأن كل واحد من هذه السلوكيات يحتاج إلى متخصص يساعد المدخر والمستثمر والمستهلك على ترشيد سلوكه وتوظيف مواهبه وإمكاناته وقدراته بحيث يحقق أفضل عائد ممكن، ومع تحسين هذه المقدرات جميعاً ينشأ المجتمع الرشيد في تصرفاته كلها بحيث ينتج سوقاً رشيدة وتعاملاً رشيداً.
في المحصلة يظل الوطن هو أساس هذا كله لأنه اقتصاده وسوقه ومواطنوه، وجدير بذوي الفكر وذوي المسؤولية أن يتحملوا العبء والمسؤولية في التوعية بأن المال حتى وإن كان ملكاً فردياً فإن الوطن هو الرابح أو الخاسر فيه، وهذه الاستشارات التي بدأت تشكل اليوم بداية الظاهرة يجب أن تنطلق من منطلق سليم يعرض المآسي التي عانى منها الناس وبالتالي الاقتصاد ويعرف أيضاً ما تؤول إليه الأمور حين يقوم على هذه الاستشارات أصحاب فهم وعلم وإخلاص يستنقذ الناس من مشكلات كانت قاتلة أحياناً وشبه قاتلة في كثير من الأحيان.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011