عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
عن الهيئة وممارسـاتها ...
الوطن في 17/6/1428هـ - الموافق 2/7/2007 م

مــن جماليات الهيئة العامة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الإسم نفسه بدءاً من كونها هيئة وهو مسمى حديث يُستخدم كثيراً في الغرب ليدل على أن لهذا الجهاز قيمة اعتبارية ذات علاقة مباشرة بالمجتمع المدني سواء على الصعيد المحلي أو العالمي، فهناك على سبيل المثال: الهيئة العامة للغذاء والدواء والهيئة العامة للاتصالات وغيرها كثير في الولايات المتحدة الأمريكية، وهنا في المملكة هناك الهيئة العامة للمواصفات والمقاييس وهيئة الرقابة والتحقيق، فكأن الأمر أريد له منذ البداية أن يكون وثيق الصلة بالمجتمع المدني وما يحتاج إليه من ضوابط وتفاعل وشفافية وانضباط .
ولأن الاسم يدور في فلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه جميل أيضاً لأن المجتمعات الإنسانية الناضجة والمسؤولة أيضاً في حاجة إلى أن تعرف المعروف وتتعاون على تحقيقه ونشره، وإلى أن تعرف المنكر وتتعاون على النهي عنه ومحاربته لما يعود على المجتمع منه من المشكلات والفتن، وغني عن البيان أهمية تحديد نطاق المعروف وسبل الأمر به، وكذلك تحديد نطاق المنكر وسبل النهي عنه، حتى لا يكون المجال فيهما مفتوحاً للاجتهادات الفردية والممارسات التي قد تورث من المنكر أضعاف ما يود المجتمع التخلص منه.
ومــن طبيعة الهيئات وثيقة الصلة بالمجتمع المدني حرصها الشديد على وضع المعايير والضوابط التي تساعد المجتمع على معرفتها أولاً حتى يكون على بينة من أمره، فلا تكون الفوضى هي أساس التعامل، وكلما تعلق الأمر بالسلوك الإنساني كلما كان أكثر صعوبة في تحديد المعايير التي تضبطه أو تراقبه، إذ أن الإنسان مجموعة من المشاعر والأحاسيس والنوازع التي تعتمل في داخله ويتنازعها جانبا النفس وجانبا العقل إضافة إلى التفاعل الآني مع أحداث وأشخاص وقيم هي في مجموعها ذات تأثير وتأثر، ولا يستطيع أحد الحكم على أحد بما يدور في ذهنه عنه وإلا لانفلتت معايير الضبط والترابط الاجتماعي.
والهيئـة ذاتها جهاز عريض فيه الكثير من العاملين لهم درجات مختلفة من الفهم بين ذي الفهم المحدود أو الواسع ولهم درجات متباينة من ردود الفعل على ما يشاهدون من متسامح يلتمس للناس الأعذار إلى متشدد يوقع بالآخرين لمجرد الظن أو المشاهدة غير المحكومة بمنطق التريث والتروي. ولهم درجات أيضاً مختلفة في النظر إلى أنماط من السلوك الاجتماعي بين من يراه يمثل اتباعاً لمدرسة من مدارس الفقه الإسلامي ويعتبر مقبولاً لديه، إلى من يرى في الأمر مخالفة صريحة لما يعلمه من ضوابط الدين وبالتالي يغلظ الإنكار، وهي جميعاً اعتبارات تحتاج إلى فهم عميق دقيق.
ومــن الحكمة ألا ينقسم المستفيدون من خدمات الهيئة إلى فريقين يقتتلان، بل من الأولى أن ينظر إلى أن الهيئة جزء من تركيبة المجتمع وعنصر من عناصر إقامة النظام، ويتم البحث في ضوء هذا الفهم في أدائها باعتبارها جهداً بشرياً غير معصوم انطلاقاً من مبدأ قرآني معصوم، ولذلك فإن أولى الناس بالدعوة إلى مساعدة الهيئة والكشف عن أخطائها وتجاوزاتها هم رجال الهيئة أنفسهم لأنهم لا يسعون إلى تحقيق برنامج خاص لجيوبهم، ولا يلتمسون منفعة ذات عائد شخصي اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي، بل هي الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وتلك لله وحده ولا يليق بأصحابها إلا أن يحرصوا على أعلى قدر من الشفافية .
ولا يجب أن يغيب عن رجال الهيئة أن إعلام اليوم في كل مكان في العالم هو إعلام إثارة حتى تكسب الوسيلة الإعلامية مكانها في السوق ومكانتها في نفوس المتابعين لها، ولذلك فلا يستطيع أحد سلخ هذه الصفة عن الإعلام أو إعادة العجلة إلى الخلف، إذ أن السوق تفرض أحكامها ومبادئها في التعامل والإثارة والتشويق، ودعوة أطراف المتابعة إلى الزوايا الإعلامية هي الصفة الغالبة للإعلام اليوم، وإن أرادت الهيئة نجاحاً وتأثيراً فعليها فهم اللعبة والتعايش معها بروح رياضية بل وإجادة ما تحتاج إلى إجادته من تعامل مباشر مع الإعلام واختيار إعلاميين متميزين للعمل في الهيئة وتعيين متحدثين وناطقين باسمها في كل مجال.
لكــن الإعلام وحده لا يكفي لمنتقدي الهيئة أو المدافعين عنها، بل لابد للهيئة أن تعلن برنامج عملها وأن تسعى في التعريف أكثر بنشاطها وإنجازاتها والكشف هي بنفسها عن مخالفاتها وتجاوزاتها وأن تشعر المجتمع أنها منه وإليه وأن تفتح الباب واسعاً أمام الذين يريدون المساهمة في الإصلاح والإيضاح، وعليها قبل ذلك أن تحسن انتقاء المنتسبين إليهم وتجري لهم دورات شرعية وإدارية وأساليب اتصال وتضع أمام هؤلاء كيف أن عليهم أن يجدوا للناس الأعذار وأن يجعلوا الرأفة والرحمة والنصح ولين القول والجانب هو الأسلوب الذي تكسب به قلوب الناس.
عليــها أن تنزع من أذهان الناس أنها سلطة دينية أو شرطة دينية وأن بيدها الخيزرانة وأساليب الاعتقال والمساءلة والإذلال، وأن تعرف أن درة عمر بن الخطاب لم تكن تصلح لغيره، لأن عمر نفسه رضي الله عنه كان أول الناس تحقيقاً وتطبيقاً لما يأمرهم ويضربهم عليه، عليها أن تعرف كيف تنتج أو تستأجر إعلانات تحث على الفضيلة والمعروف ومكافحة المنكرات من زنا ولواط وخمر ومخدرات وسحر وشعوذة وتشرد وبطالة وتسكع في الأسواق، لقد نجحت الهيئة كثيراً، وأمامها مجالات واسعة جداً لتنتج أكثر متى أخذت بأسباب العصر وأدركت أنها تواجه اليوم شياطين فضائيين ربما تحتاج إلى أن تغزوهم في قنواتهم وأن تستخدم أساليبهم للتأثير عليهم إن لن تتمكن من القضاء عليهم.
وأخيــراً تحتاج الهيئة من المناوئين لها بالكتابة والتشهير ونسج الأقاويل أن يحرصوا على أن يعرفوا أن الضفة الأخرى من النهر ليس بالضرورة سيئة إلى درجة كبيرة، بل ربما كان السوء كله في ضفة النهر التي يقف عليها المناوئون، عليهم أن يركزوا على الحقائق ومن مصادر موثوقة وأن يطالبوا ــ وذلك حق المجتمع ــ بألا تتكرر الأخطاء وألا يتم التستر عليها والإعراض عنها.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011