عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
محكمة صياغة مستقبل بدائل السجون
الوطن في 15/7/1428هـ - الموافق 29/7/2007 م

لا تـزال محكمة "المويه" تخط بسطور من إتقان وإحسان سجلاً راقياً في تغيير سير القضاء من الزنازين إلى الميادين ومن غياهب السجون إلى فضاءات الواقع المشرق على وقع الحركة والعمل والتفاعل، ومن إخفاء وتغييب المخالف غارقاً في تجارب تدخله أكثر في عالم الجريمة إلى إخراجه للناس ليتعلم منهم سبل الخير والبر وإقامة الحياة الطيبة والبحث عن أعمال تجعله أكثر إيجابية وأقرب إلى قلوب الآخرين بما يضمن له مستقبلاً أكثر أماناً وأعمق إيماناً وأشد تفاعلاً مع وطنه وتحدياته.
والخبــر الجديد هنا هو أن حدثاً أدين في سرقات عدة كان دوره فيها المراقبة فقط أصدر قاضي المحكمة حكماً شرعياً عليه بالعمل في جمعية البر الخيرية بمركز المويه ساعة يومياً لمدة شهرين والاستماع إلى (15) محاضرة ينتقيها له المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات بالمويه مع جلده (60) جلدة دفعة واحدة منجزة لقاء الحق العام، وفي الوقت نفسه أصدر القاضي حكماً إضافياً على الحدث يقضي بسجنه ثمانية أشهر وجلده (300) جلدة مقسمة على ست دفعات متساوية متى تخلف الحدث عن تنفيذ الحكم الأول بامتناعه عن العمل أو سماع المحاضرات أو عن الامتحان التحريري أو رسوبه فيه.
وقــد لا نمل من العودة إلى الحديث عن هذه المحكمة مع كل حكم يخالف الأحكام التقليدية التي ترهق كاهل الناس بالسجون وتفتح أمامهم أنفاقاً طويلة من الظلام، ذلك أن السجن عزلة للمخالف وعزلة للمجتمع بينما في الأحكام البديلة ما يلزم المجتمع بالبحث عن الأسباب والدوافع والبحث أيضاً عن سبل العلاج والتفاعل مع ذلك كله في ضياء التجربة ونور الواقع والشاهد الحي هو المخالف نفسه ومن حوله ممن ينشدون له العودة الرفيقة إلى بيته وأسرته ويشدون على يديه كلما رأوا منه تحولاً ينفعه وينفعهم بل إنها المدرسة التي يسهم الكل في نجاحها وتحقيق أهدافها .
كــان جديراً دعوة رجال محكمة المويه إلى مؤتمر بدائل السجون الذي عقد مؤخراً في الرياض العاصمة، وكان حرياً بالمؤتمرين الاحتفاء بهم والاستماع إليهم والوقوف على تجربتهم والاستفادة من إشراقات النفوس والعقول حين تنطلق في فضاءات الإبداع والتألق وهي تتشرف آفاق مستقبل أكثر إشراقاً وتألقاً، لم تنغلق نفوسهم أمام إعراض الناس عن تجربتهم ولم تضق عقولهم أمام إهمال الناس لهم والاهتمام بما يصوغونه من مسار حديث وفكر جديد في عالم القضاء الذي يقف عند الزنزانة والخيزرانة.
إنـهم يستحقون من كل مواطن أن يتوجه إلى الله بالدعاء لهم بالتوفيق في إقامة هذا المسار وأن يشد من أزرهم بالكتابة إليهم أو زيارتهم إن تمكن من ذلك والحديث عن هذه التجربة الفنية التي تبعث على الأمل في أن الفكر الجديد لا يقتصر على أحد ولا يقف عند مكان ولا يستأثر به أناس، بل هو سماء للجميع وفضاء مفتوح أمام ذوي الفكر المستنير، بل إنهم يستحقون من القيادات العليا في القضاء وغير القضاء أن يمنحوا أرفع الأوسمة لأنهم يملكون قلوباً رحبة وعقولاً أرحب تجاوزت الأغلال وأسوار السجون.
والتجـربة في حد ذاتها في أمس الحاجة إلى علماء نفس واجتماع وقانون يُقوّمونها وينظرون في آثارها ويجرون فكرهم فيها وهي ماثلة أمامهم، وهي وإن كانت لم تتناول إلا حالات محدودة جداً ولكنها ظاهرة تستحق من هؤلاء الباحثين أن يعطوها من اهتمامهم ما يبعث فيها روح الحياة التي تجعلها تخرج من البيئة التي ولدت فيها لتنتقل في مناطق مختلفة من المملكة وتخرج خارج الحدود في سبيل إثبات صلاحيتها وقدرتها على النمو والانتشار.
الباحــث في بدائل السجون على مستوى العالم العربي لن يجد في بحثه في فضاءات الإنترنت في العالم العربي كله غير تجربة محكمة المويه في حكمين سابقين وهي ظاهرة تستدعي الوقوف عندها طويلاً، في جرأتها وندرتها وقيمتها وأهميتها، ولو لم تكن كذلك لما بقيت مجال حديث في كثير من المنتديات الإنترنية في العراق ومصر وتونس والمغرب والأردن والسعودية وغيرها، بل ربما تجد من يترجمها وينقلها إلى فضاءات إنترنية أخرى تشهد بأن في القضاء رجالاً أدركو مفهوم البدائل ولم يقتصروا على الحديث عنه والتغني به بل طبقوه فعلاً ومارسوه حقاً.
مـن حق هذه التجربة ذاتها أن تعرف آثارها على المخالفين الذين استفادوا منها وهل حققت لهم ما أراده القاضي من توفير بديل آمن لهم أم أنهم أفلتوا من الاستفادة من الفرصة المتاحة وبالتالي استحقوا تنفيذ الحكم الأصلي التقليدي الذي أقره القاضي واستعاض عنه بالبديل إن هم عملوا به وحقق آثاره لهم، وفي معرفة الآثار ما يفيد في الحكم على نجاح التجربة أو فشلها، على أن النجاح والفشل لا يتعلق بالحكم الصادر وإنما بالظروف التي تم تطبيق البديل فيها وحرص القائمين عليه والمستفيدين منه أن تتحقق الآثار الإيجابية للبديل.
كمــا أن من حق التجربة أن يقوم عليها رجال يعون آثارها في بناء مستقبل أكثر إشراقاً للقضاء وأقل بناء للسجون ولذلك فربما يلزم القاضي التحقق من حسن اختيار القائمين على تطبيق البديل وكذلك يتحقق من حسن سير ما اقترحه من بديل بأن يستدعي المخالف من حين لآخر ليعرف ماذا تغير فيه ومنه، وأن يستدعي أيضاً القائمين على تطبيق الحكم ليسمع منهم آراءهم ويلمس جديتهم في القيام على التنفيذ، وهذا ما شمله حكم القاضي الصادر حديثاً حيث قرر مادة المحاضرات "أخلاق الإسلام وسيرة الرسول ? وعن سيرة الصحابة" ثم يجرى له امتحان تحريري للتأكد من استماعه إليها، ويشرف عليه كل من المحكمة والإمارة والشرطة مع كتابة تقرير أسبوعي من جمعية البر ومن الشرطة يوضح مدى التزامه بالعمل.
وفي حق هذه المحكمة وهذا القاضي
يصدق قول أبى الطيب :
على قدر أهل العزم تأتي العزائم

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011