عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
حتى لا نقتل المرأة باسم الإسلام
الوطن في 23/7/1428هـ - الموافق 6/8/2007 م

أجمــل ما في الإسلام سماحته وانفتاحه على الأماكن والأزمنة واعتناؤه بالروح الإنسانية واحتياجات بني البشر لأنه جاء رحمة وهداية وإنقاذاً وإعلاء، وأسوأ ما في التقاليد والعادات فظاظتها وانغلاقها واستحكامها في النفوس والعقول حتى لا تتيح فرصة لأحد أن يحرك منها ساكناً وإلا ثارت عليه فرق الحراسة التي تجد فيها فرصتها في الحفاظ على مكاسب وعوائد مادية ومعنوية وهي تعلم عن يقين أنها إنما تحرس المكاسب لا المجتمع وإنما تحافظ على المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة، ولذلك فإن حراسة قيم الإسلام كانت بيد العلماء الربانيين الذين هم ورثة الأنبياء، وحراسة قيم العادات والتقاليد كانت بيد المنتمين لها والمستفيدين منها .
ومــن أجمل ما في الإسلام أن دائرته واسعة بل تكاد تكون أوسع الدوائر التي يتحرك فيها الإنسان، لأن الإسلام الرسالة الخاتمة الجامعة إلى يوم الدين، ولذلك فهو كفيل بأن يرافق الإنسان إلى نهاية الأرض والسماوات والقيام لرب العالمين فهو يصحبه في جميع أحواله وبمختلف مواهبه ومداركه، ولأن الذي أنزله هو الذي خلق الإنسان وهو الذي سيحاسبه وحده، أما ما عدا الإسلام فإنما هي آراء البشر واجتهادات البشر وأهواء البشر وهذه أساسها التعارض والتضاد مما يضيق دائرة الفعل والفكر عند الناس فيها لأن لكل صاحب رأي فيها مصلحة ولكل صاحب موقف قضية ولكل دائرة خطوط تماس فيجب النظر إلى ذلك مما يرهق اللاعب في هذه الميادين.
هــذا الإسلام هو الذي استنقذ المرأة من أقرب الناس إليها وأشدهم عطفاً عليها : الأب الذي كان يئدها في التراب ــ مهما أنكر البعض ــ مخافة العار أو الفقر، وهو الذي حماها من أقرباء آخرين: الأخ والإبن حيث كانت ضمن المتاع الذي يرثه الوارثون ويتحكم فيه الأكبر من أبناء المتوفى، بل وأعطاها نصيبها من الميراث، والإسلام هو الذي أطلق لها العنان لتخوض غمار الحياة في المجتمع فتسهم في البناء فكان منهن المداوية وطبيبة الإسعاف في الحروب وغير الحروب والشاهدة في القضايا في المحاكم والمحتسبة في الأسواق والعالمة والمتعلمة امتثالاً لقول فاطر السماوات والأرض ?أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ? .
هــذا الإسلام هو الذي حرر المرأة وأخرجها تمارس حقوقها في الحياة لا تجبر على شيء ولا تكره على أمر، لأن المسؤولية واحدة أمام أفراد المجتمع إلا في خصوصيات جعلها الإسلام ميزان تفاضل إما للذكر أو للأنثى، وهو حين يحررها يوفر لها سبل الحماية والرعاية شأنها في ذلك شأن جميع من يرعاهم الإسلام، فقد حمى الحاكم من الاستبداد بالشورى، وحمى الغني من الجشع بالزكاة والصدقة، وحمى الفقير من الذل والمسكنة بالعمل والكسب، وحمى النفس من البطر بالصيام، وحمى الأمة من التمزق بالحج، وحمى المرأة من التبرج والسفور بالحجاب والمحرم في إطار المسؤوليات التي يحقق الالتزام بها نجاح المجتمع ونجاة الفرد .
الإســلام الذي أعطى المرأة حق العلم والتعلم والتعليم بل واعتبر طلبه فريضة عليها كما هي فريضة على أخيها، لم يحرمها من حق العمل باعتباره حاجة من حاجات الحياة ومطلباً من مطالب العيش إن هي احتاجت إليه، وكما حظر عليها التبرج في المسجد وأماكن العبادة فلا شك أن الحظر قائم في الأسواق وأماكن العمل، وكما كان رفيعاً في الحث على مكارم الأخلاق حتى أن الرسول ? يقول "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" فإن من مكارم الأخلاق اللياقة في التصرف قولاً وفعلاً من الذكر والأنثى ومنه غض البصر للذكر والأنثى كما جاء بذلك النص القرآني في سورة النور .
والذيـن كانوا قبل الإسلام يئدون المرأة ويحرمونها الميراث بل ويجعلونها جزءاً من الميراث ويحظرون عليها التصرف في نفسها ومالها ليسوا كل المجتمع بل جزء من المجتمع نظر إليها نظرة فوقية استعلائية لأن منهم من يعاني عقدة نقص وإحباط فاختار طرفاً في المجتمع : العبيد والنساء يمارسون عليهم إسقاطاتهم حتى جاء الإسلام ليحرر العبيد والنساء من هذا التسلط، والذين قاموا بعد الإسلام يمارسون الأمر نفسه مع المرأة أو مع فئات من المجتمع على أساس عرقي أو طبقي أو مالي أو سياسي إنما يعيدون تكريس الأمراض التي كانت سابقة للإسلام، وكما قام الرسول ? ومن بعده في كسر هذا الاحتكار فإن من واجب ورثة الأنبياء أن يمارسوا الدور نفسه اليوم .
وفـي عودة بالذاكرة إلى الفترة التي حاول البعض حرمان الفتاة من التعليم وإنكار افتتاح المدارس وإلحاق البنات بها كانت حكمة بل جرأة ولي الأمر هي الفيصل في حسم الأمور فانتشر تعليم الفتاة وأثبتت الأيام أن القرار كان ضرورياً لمصلحة البلاد واليوم نرى أن مدارس البنات في الغالب أفضل تحصيلاً وأكثر انضباطاً وأن الخريجات يمارسن التربية والتعليم والطب والتمريض وهندسة الديكور والاقتصاد المنزلي، وللمرء أن يتخيل الحال فلو لم يكن ولي الأمر حازماً في هذا الشأن لما ظفرت البلاد بكثير من الخدمات الصحية والطبية والنفسية والتعليمية من نسائها ولبقيت عالة على غيرها .
وربــما يحتاج الأمر اليوم إلى حكمة وجرأة أخرى من ولي الأمر فيما يتعلق بتوفير فرص العمل للمرأة في ظل نجاحها الباهر في مجالات التعليم والطب والتعلم بل وفي مجالات الإدارة والريادة لكثير من النساء على المستوى المحلي والدولي، وربما لم يعد أمر العمل لكثير من النساء أمراً من أمور الترف بل حاجة من حاجات الحياة وضرورة من ضرورات العيش مما يستدعي أخذه بما يستحقه من اهتمام وعناية وهو ما لم يغفل عنه ولي الأمر حيث أصدر قراراً يقضي بقصر العمل في محلات بيع المستلزمات النسائية على المرأة السعودية وهي خطوة أولى ضرورية ولكنها ليست كافية لأن الأمر يقتضي أبعد من ذلك في العمل لخريجات في تخصصات مختلفة .
إن المعوّل عليه هنا هو توفير البيئة التي تضمن للمرأة العمل في جو من الأمان والحماية كما تتوفر للطبيبات والصيدليات وفنيات المختبرات في المستشفيات الخاصة والعامة، نحن في حاجة ماسة إلى صدور نظام يبين حدود التصرفات في الأماكن العامة حتى يعرف الناس هذه الحدود ويحترمونها ويرون أن المسؤولية هي أساس بناء المجتمعات والحفاظ عليها، لا حدود لممارسات التحرش الجنسي لدينا وهي في الغرب واضحة بيّنة، لا حدود لانتشار التدخين والشيشة في أكثر أماكننا وهي في الغرب واضحة بيّنة، لا حدود للإسراف في ممارسة الزواج بمسميات عديدة تكاد تتجاوز حدود انتهاك الأعراض وهي في الغرب واضحة بيّنة.
مــا لم نمارس إسلامنا بروح المسؤولية والانفتاح على ضرورات العصر بعين الفقه والتقوى معاً، فقد نجد أن الأمور تسير في غد عكس ما نريد وعكس ما يراه إسلامنا لنا من سمو وعلو، وليس غريباً أن يمرق هؤلاء الشباب إلى ميادين إتلاف الأرواح، وأن يمرق آخرون إلى ميادين تشويه الأفكار لأن الانغلاق في نفق العادات والتقاليد والاحتماء في خندق الخصوصية المفرطة سوف يجعلنا نغرق أكثر فأكثر حتى لا نكاد نجد من يخرجنا مما وضعنا فيه أنفسنا.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011