عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
ويبقى السؤال .. أين ذهبت الأموال ؟
الوطن في 30/7/1428هـ - الموافق 13/8/2007 م

أكثـر من ثلاثة آلاف شخص ظلوا على مدى سنوات يعيشون حالة من حبس الأنفاس وانتظار ما تؤول إليه مسرحية ملاحقة الذي أهدر أموالهم في فضاء بطاقات "سوا " بعدما أوهمهم هو وعصابته أنهم سوف يجنون أرباحاً تصل إلى (20%) كل أسبوع أي أن كل ريال يدر أربعين ريالاً في العام، بل أعاد لبعض المستثمرين بعض أموالهم في شكل عوائد أسبوعية.
وقبــل أمس تنفس المستثمرون الصعداء حين صدر حكم المحكمة في جدة على زعيم عصابة بطاقات "سوا" بالسجن والجلد وإعادة الأموال إلى جانب اثنين وعشرين شخصاً من المتعاونين معه في ضياع (800) مليون ريال جمعوها من أصحابها حتى تستثمر في هذه البطاقات بالرغم من عدم منطقية الوعود وتحذيرات شركة الاتصالات، إلا أن الطمع كان الحافز الرئيس الذي أعمى البصائر والأبصار فسعى الناس خلف هذه الوعود واستدانوا إن لم يجدوا لعل العائد يجعلهم في مصاف الأثرياء .
مهمـا بقي هذا المتلاعب وأعوانه في السجن ومهما ذاقوا من سياط التعزير التي تكوى بها ظهورهم فإن ذلك لا يعني شيئاً للذين ذهبت أموالهم في أيدي هؤلاء، فالذي يطمحون إليه هو أن يعود لهم ما قدموه حتى يسددوا ما اقترضوه أو يعود إليهم ما ادخروه، ومع أن التعزير حق عام إلا أن المطلوب استعادة الأموال فهذا جوهر المشكلة التي خاض فيها الوسطاء من قبل ومندوبو الداخلية والحريصون على أن يحفظوا لهذا المتلاعب شيئاً من كرامته لكنه لم يستجب لذلك.
أيــن ذهبت الأموال ؟ حيث أن رقماً كبيراً كهذا لا يمكن أن يصرفه شخص أو أشخاص في ملذات عابرة ليقضوا عليه كله، بل ربما تحول إلى جيوب آخرين أو إلى أصول ملموسة أو غير ملموسة في حسابات هنا أو هناك، ومن ثم فإن الإجابة على هذا السؤال هي الجزء الأكبر في القضية حتى لا يُتاح لمن يقفون وراءه أن يجعلوه الضحية ويفوزوا هم بالمغانم وهو قابع في نفق المغارم، وعلى القاضي أن يضيق عليه وعلى أعوانه لمعرفة الإجابة على هذا السؤال .
هــذه الحالة التي استطاع القضاء أن يقول كلمته فيها ليست إلا واحدة من حالات كثيرة في الاستثمارات الوهمية أو تلاعبات المساهمات العقارية أو السوقية في الأسهم وغيرها مما يستدعي متابعة بقية الحالات في جميع المجالات حتى لا يحسب أحد أنه قد نجا بأموال البسطاء الذين لم يكونوا يدركون أن الطمع والجشع وحش كاسر إلى هذا الحد الذي لم يترك لهم شيئاً ولم يدع لهم مجالاً يطمئنون فيه بعد إلى سلامة ما حولهم ومن حولهم، مما سبب حالات من العلل النفسية والاجتماعية والعقلية أفضت بالبعض إلى الانتحار أو الطلاق أو ترك العمل أو الغوص في مستنقع الديون .
يســتدعي الأمر أيضاً أن يلتفت القائمون على سن الأنظمة والقوانين إلى ما حدث ليضعوا نظاماً واضحاً وأن يحددوا هيئة واضحة المعالم تبين للناس حدود جمع الأموال تحت أي مسمى من المسميات، حيث أن الثراء الفاحش الذي ناله عدد من الذين تجرأوا على جمع الأموال والفقر أو الإحباط الذي سقط فيه الكثيرون من أصحاب الأموال المدخرة أو المقترضة قد أفرز واقعاً جديداً يحتاج إلى تدارك وإن كان الناس الآن قد تكونت لديهم مناعة تردهم عن تصديق الكثير من الوعود أو المقولات عن العوائد لكن الأيام قادرة على أن تعيد نفسها في إطار جديد وظروف جديدة والكثيرون يعيشون التجارب أمام إغراءات المطامع.
أكــل أموال الناس بالباطل سمة المجتمعات الفاسدة سواء أكانت هذه الأموال أموالاً عامة أم أموالاً خاصة، وما لم يتم تجريم الاعتداء هذا بنصوص واضحة وصريحة فسوف تتكرر التجارب ويجد آخرون غير بطاقات سوا وغير التمور وأطباق البيض والشعير وتأشيرات الاستقدام وتصاريح الأغنام والمساهمات العقارية إلى آخر قائمة ما يمكن أن يستخدم في الاعتداء على الأموال بغير وجه، وما لم تتم معاقبة مخالفي هذه النصوص والأنظمة بالشكل اللازم والإعلان عن هذه العقوبات فإنها سوف تظل حبراً على ورق لا يلتفت إليها أحد ولا يعرف عنها أحد .
إن وضع النظام يُعد بحد ذاته الضمانة الأولى التي تجعل الناس يشعرون أن هنالك حداً ينتهون إليه وغاية يقفون أمامها، أما حين تترك الساحة مفتوحة والمضمار غير واضح المعالم فلكل واحد من هؤلاء أن يضع ضميره حيث يريد لأنه جزء منه ومن تفكيره وتكوينه كما قال حمزة شحاته رحمه الله "حتى النذل له ضمير لكنه نذل مثله" ، وكلما تأخر وضع الضوابط تأخر المجتمع وخسر أكثر وزادت قائمة الضحايا، وكلما تأخر تحقيق العدالة في الحفاظ على الأموال عامة أو خاصة أصبح المجتمع أشد تفككاً وأبعد عن الترابط والتآلف لأن في التسابق على تحقيق المكاسب الفردية ما يشغل الناس عن تحقيق الضمان الإنساني والأمن الاجتماعي .
ويجــب أن تنال الحالات الأخرى حقها من الاهتمام ومن المتابعة ومن تقديمها للحساب حتى لا يظن أحد أنه يستطيع أن ينام على عذابات الآخرين وهمومهم ودموعهم، بوسعه أن ينام ولكن هناك مع المجرمين والمحتالين وأن يُحرم من الاستمتاع بالمال المسروق وأن يُحرم منه أطفاله كما حرم أطفالاً كثيرين من بعض مسرات الحياة حين خطف المال من يد آبائهم وأمهاتهم، وكما أدخل بعض أولياء أمورهم السجن أو في نفق الملاحقات لتحصيل ما اقترضوه أمام وعود المتلاعبين المجرمين .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011