عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
السفارة: قلعة صليبية داخل بغداد
الوطن في 21/8/1428هـ - الموافق 3/9/2007 م

تسلمت الإدارة الأمريكية قبل يومين مبنى سفارتها الجديدة في بغداد والتي تقدر مساحتها بــ (42) هكتاراً وتكلفة إنشائها بــ (600) مليون دولار أي ما يعادل ربع تريليون ريال، والمقامة على الشاطيء الغربي من نهر دجلة، مضيفة بذلك غابة أمنية أخرى داخل الغابة الأمنية التي أطلق عليها المنطقة الخضراء والتي تضمن المرافق الأساسية لحكم العراق إلى جانب السفارة الأمريكية والسفارة البريطانية.
لــم يكن أحد يعلم عن مرافق ومنشآت السفارة الجديدة لولا أن الشركة المعمارية التي صممت المبنى وضعتها على موقعها الإلكتروني حتى أمرتها وزارة الخارجية الأمريكية بإزالتها من الموقع حيث تشتمل على مبنيين للمكاتب تستوعب ألف موظف وستة مباني سكنية تضم (619) شقة إلى جانب مساكن فاخرة للسفير ونائبه ومدرسة ومركز تجاري ومركز مطاعم وملاعب للتنس وكرة السلة ومسبح ومركز لياقة أجسام ودار سينما ومركز تجميل ونادي اجتماعي، أي أنها حي سكني كامل وليس سفارة بالمفهوم المتعارف عليه.
تــم بناء السفارة والانتهاء من تجهيزها وفقاً للجدول الزمني وحسب الميزانية المقدرة في الوقت الذي كانت مرافق أساسية في بغداد خاصة والعراق بشكل عام يتم تدميرها وتعطيلها بفعل القنابل الذكية من قبل في عام 2003م أو بفعل التفجيرات التي لم تستطع القوات الأمريكية حتى اليوم السيطرة عليها، وفي الوقت الذي لا يجد أغلب العراقيين من الماء والكهرباء ما يكاد يفي بساعتين من الخدمة يومياً فإن هذه السفارة تقوم على مرافقها الخاصة في المياه والكهرباء والصرف الصحي.
قامــت مباني ومنشآت السفارة على أيدي عاملة تم اجتلابها من الخارج لكن عبر مراكز أخرى وكأنها تجارة الرقيق التي كانت تتم عبر نقاط عبور مختلفة أو تجارة المخدرات حيث أن العمالة الفلبينية التي قامت ببنائها استقدمتها الشركة لتنفيذ مشاريعها في دبي ثم نقلت بالطائرات ضد رغبة العاملين إلى بغداد لإنجاز العمل في هذا المرفق، وليس في دبي مما يضيف تعقيدات قانونية وإنسانية ودبلوماسية لقيام هذا المرفق قبل أن يبدأ.
يضــاف إلى ذلك أن المبنى محاط بأسوار عالية لا تسمح لأحد برؤية المباني وراءه إلا من على سطح فندق بابل في الضفة المقابلة من النهر مما دعا أحد خبراء تصميم السفارات إلى انتقاد المبنى في العدد الأخير من المجلة الأمريكية "السياسة الخارجية" حيث يقول جين لويفللر: "المبنى محاط بأسوار إسمنتية عالية ومعزول عن بقية بغداد إنه يقف وكأنه أحد قلاع الصليبيين التي هيمنت على منطقة الشرق الأوسط ذات يوم" بل إن السفير الأمريكي السابق في العراق إدوارد پك انتقد المبنى في المجلة نفسها قائلاً: "هذه السفارة سوف تضم ألف موظف متخندقين خلف أكياس الرمل ولا أعرف كيف تمارس الدبلوماسية بهذه الطريقة" .
لا تتوقف الانتقادات عند حجم المبنى أو الأسوار العالية المنيعة أو جوانب الحماية المتعددة التي أخذت بعين الاعتبار عند التصميم والإنشاء، لكن أهم ما يكشف المبنى عنه هو الخوف الذي يسيطر على عقلية الإدارة الأمريكية الحالية من مستقبل العراق والروح الانعزالية الاحتلالية التي تهيمن على التفكير الأمريكي السائد عند إنشاء مبنى بهذا الحجم وبهذه التقنيات إلى جانب التخبط الذي رافق الغزو الأمريكي للعراق في مبررات الغزو أولاً بدءاً من أسلحة الدمار الشامل وانتهاء بتقسيم العراق مروراً بالشرق الأوسط الكبير وبتحرير المنطقة من الطغاة وبتحقيق الديموقراطية والعدالة !! ثم في عدد القوات التي تحتاجها الإدارة في تحقيق أهدافها للعراق فقط ناهيك عن بقية الأهداف للمنطقة في شرق أوسط كبير أو صغير، يضاف إلى ذلك التحالف الذي بدأ متخاذلاً وانتهى أو أوشك على الانتهاء بخروج القوات البريطانية. وفي النقد اللاذع الذي أطلقه قائد هذه القوات بعد تقديمه استقالته حيث قال: "إنها حرب مفلسة فكرياً".
ربمــا تجد هذه الانتقادات من خبراء وسفراء ومفكرين من يتصدى لدحضها وردها ممن جاؤوا على دبابات الاحتلال أو من الذين سخّروا ألسنتهم وأقلامهم لتبرير قصف بغداد وهدم المساكن على ساكنيها بل وللترحيب بهذا الاحتلال الذي أطلقوا عليه إحلالاً والاستعمار الذي جعلوا منه إعماراً، فإذا به يسعى في إحلال المحتل الأجنبي بدلاً من المحتل الوطني وإذا به أيضاً يسعى في إعمار مجمع سفارات يزيد عن أكبر قصر لصدام ليكون سفارة للحاكم الجديد الذي يتربع على الدمار الذي أحدثه والجماجم التي نشرها والجثث التي ملأت شوارع مدن العراق، أما العراق وأهل العراق فلم ينلهم إلا الجوع والظمأ والظلام والتشريد والميليشيات وفرق الموت التي لا تكاد تتوقف عند حد حتى تأتي على آخر عراقي.
ثــم أية دبلوماسية هذه التي تريد أن تجعل من قلعة صليبية جديدة محصنة مقراً لإدارة بعثة دبلوماسية تشرف على تسيير علاقات ثنائية بين بلدين مستقلين، وما هو الأفق المستقبلي الذي ترى الإدارة الأمريكية أنه كاف لإنهاء الاحتلال وخروج آخر القوات وقد استقر وضع البلد وأصبح يمارس ديموقراطية ويعيش عدالة سياسية واجتماعية واقتصادية ونفطية بعيداً عن الهيمنة الأمريكية التي تملي على الحكومة ما تشاء وقت ما تشاء، إلا أن تكون هذه القلعة الحصينة هي المقر الذي ارتأت الإدارة أن تدير الشرق الأوسط الكبير منه وأن تشرف على سير عمليات غزو جديدة منه، هذا بالطبع كان التفكير في عام 2003م قبل أن تعرف الإدارة والقيادة حجم المستنقع الذي غرقت فيه أو آثار الزلزال الذي أحدثته فإذا بها الآن لا تكاد تعرف طريقها إما في البقاء أو في الخروج .
هــذا المجمع/السفارة يجب أن يكون معلماً حاضراً في أذهان العراقيين خاصة وأبناء المنطقة عامة في بناء الثقة فيما بينهم أفراداً ومؤسسات حكاماً ومحكومين وأن الحسابات التي يديرها أبناء البلد الواحد خير من تلك التي تأتي من الخارج لتحرق الأخضر واليابس لأنها في كثير من الأحيان لا تبنى على مصلحة وطن ومواطنين وإنما على مصالح أجنبية قريبة أو بعيدة، بل هي رسالة بليغة للحكام بشكل خاص أن يكونوا أرأف بشعوبهم وأقرب إلى قلوبهم ليس بالكلام والوعود والرسائل الخاوية والخطب المنمقة بل بمشاريع تعليم وبمشروعات تنمية وبمشاركة أكبر من الجميع حتى يعرف الناس أن لهم وطناً يحيون من أجله ويموتون من أجله لأنه يحتضنهم معاً بنفس القدر من الرعاية والعناية لأنه البيت الذي يجتمعون به ويدافعون عنه، فإن فشلوا جاء من خارج الوطن من أعانه وأهله وأقصاهم عنه.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011