عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
هذا التعليم فأين التربية ؟
الوطن في 28/8/1428هـ - الموافق 10/9/2007 م

مـا يقارب الستة ملايين طالب وطالبة يعودون إلى مقاعد الدراسة ومنهم من يفد إليها للمرة الأولى ليواصلوا أو ليبدأو مرحلة طويلة من العمر للتعليم واكتساب المعارف والمهارات ــ أو هكذا ما يجب أن يكون عليه الحال ــ في عملية تطول أحيانا لتصل إلى ما يكاد يعادل نصف أو ثلث عمر الإنسان أملاً في أن تساعده على حياة أكثر توازناً وتعطيه الفرصة لإبداع أو إضافة أشياء نافعة له وللحياة بشكل عام، سواء اكتسب هذه من كتاب أو من معلم أو من زميل أو من الحياة الواسعة بما تتيحه من آفاق تأمّل وآفاق نظر.
والتعليــم هو الأساس الذي يبنى عليه المجتمع وتبنى عليه المواطنة وتبنى عليه الدولة فلا صحة ولا طب ولا علوم ولا اجتماع ولا وعي بكل أبعاده ومسمياته ما لم يكن هناك تعليم يحقق للناس طموحاتهم في هذه المجالات وسواها حتى يسهموا في بناء مجتمع قادر على الحياة وقادر على المقاومة، والأساس ما لم يكن متيناً راسخاً فلن يكون المجتمع قوياً ولا قادراً، لأن البناء لن يستمر ولن يعلو، ومن ثم كان التعليم هو مفتاح بناء المجتمعات، وكانت جودته هي الفاعل الرئيس في تحقيق الغايات العظمى في الأمم التي استطاعت أن تنهض من سبات أو أن تقوم من عثار.
والحديــث عن جودة التعليم تقتضي البحث في نوعية الخريجين سواء في التعليم العام أو العالي حيث أن القدرات التي يتمتعون بها والإنجازات التي يحققونها لم تأت إلا لأنهم حصلوا على التأهيل العالي بما فيه الكفاية للقدرات والإنجازات، وتظل العملية محكومة بالمقاييس الوطنية والدولية في التأهيل التعليمي إلى جانب المهارات والمواهب والإبداعات التي تتم رعايتها أثناء حياة الطالب في المرافق التعليمية، وما لم يتم النظر في هذه المقاييس فإن الهدر ملازم للإنفاق سواء في الأوقات أو الأموال ويحسب الناس أنهم يحسنون في القيام بوظائف ليست إلا جزءاً من الدورة العامة للحياة.
ربمــا يناسب هذا الأمر النظر إلى مقال في صحيفة التايمز البريطانية قبل عدة أيام عن بدء وزارة التربية هناك تطبيق برنامج أطلق عليه Seal يهدف إلى التمكين الاجتماعي والاستقرار الحياتي في المدارس، حيث يهتم البرنامج بإتاحة الفرصة للطلبة والطالبات بالتعبير عن أنفسهم والبوح عن مكنوناتهم وعدم الانغلاق على أفكار أو خواطر قد تدفع بهم إلى جنوح أو عدوانية، وقد جاءت الدعوة إلى البرنامج بعد أن لوحظ أن هناك مظاهر سلوكية غير سوية للطلاب والطالبات تدفعهم إلى العنف والتصرف بعدوانية تجاه الآخرين، ومن المتوقع أن يتم تأهيل مشرفين في المدارس حتى يستطيعوا التعامل مع الطلاب بما يحقق لهم قدراً أكبر من التواصل والحوار والتعبير عن الذات والاعتراف بما يساعدهم على العيش بشكل أفضل.
وربمــا كان مناسباً أيضاً الحديث عن برنامج آخر جرى تطبيقه في العديد من المدارس البريطانية على أساس اختياري ضمن برامج الأمير تشارلز للمسؤولية الاجتماعية ويطلق على البرنامج XL حيث يتم اختيار الطلاب الذين لا يتمتعون بأداء أكاديمي مقبول أو سلوك اجتماعي معتدل ممن تتراوح أعمارهم بين الرابعة عشرة إلى السادسة عشرة ويتم إلحاقهم بالبرنامج الذي يعزز فيهم روح المسؤولية والمشاركة والقيادة والفاعلية وقد حقق البرنامج في سنواته التي تزيد قليلاً عن العشر إصلاح أحوال عشرات الآلاف من الطلبة والطالبات وأعادهم إلى تحقيق معدلات عالية من الأداء الأكاديمي والاجتماعي.
التعليــم الذي لا يحقق إبداعات في مجالات مختلفة من الحياة التي يقوم عليها الإنسان ليس تعليماً وإنما هو استنساخ للكتاب أو للمعلم أو للجو العام للمدرسة، ولن يتحقق التعليم الإبداعي إلا بحرية أكبر للطلاب والطالبات في التعبير عن أنفسهم وإطلاق إبداعاتهم والبوح بمكنوناتهم على نحو يجعلهم يشعرون بقيمة أنفسهم وبأهمية المجتمع الذي ينتمون إليه، كما أن التعليم الذي لا يجعل المنتمين إليه يلامسون بأعينهم ووجداناتهم حقائق عصرهم الذي تصبغه العولمة بكل أطيافها سيخرجون وهم حبيسوا صفحات الكتاب أو أفكار المعلم التي سردها لهم ذات يوم .
كمــا أن الطفل الذي يلتحق بالمدرسة بعد أن فتحت له الطفولة عالمها الرحب ورأى أنه يطير في آفاقها كالطائر الطليق سوف يهتز كثيراً إذا لم يجد المعلم أو المعلمة التي تساعده على الانطلاق في توازن جميل وتعينه على التقاط الثمرات النافعة المفيدة وأن يتاح له أن يعلو أكثر في كل مرحلة ليرى العالم بشكل أفضل وأوسع وأرحب، أما إذا وقع ضحية معلم أو معلمة لا يحسن إلا التهديد والوعيد والكبت والتضييق والتخويف والتحذير فسوف يسقط بين الأغصان بل ربما تتراكم عليه قوى مختلفة فيعيش إحباطات مبكرة لكنه يظل يجاهد نفسه متشبثاً بالحياة متلمساً طريقاً ينافس به من حوله ويقاوم به حتى يتمكن من الفوز بحياة .. أي حياة أو بالممات .. أي ممات !!
كــان المتوقع ــ ولا يزال ــ من الوزارة التي هجرت المعارف إلى التربية والتعليم أن تعلن عن برامج في التربية وبرامج في التعليم قابلة للقياس واضحة النتائج وقادرة على أن تحقق نمواً ذاتياً لها وأن تحقق نماء في إمكانات وقدرات المستفيدين منها حتى يتحقق الأثر المناسب للانتقال من المعارف إلى التربية والتعليم، يضاف إلى ذلك تطوير برامج للتنافس الذي هو جوهر الحياة بين الطلاب في المدرسة الواحدة وبين المدارس في المدينة أو على مستوى الوطن وأن تكون البرامج التنافسية شاملة لأوجه مختلفة من مجالات التربية الدينية والبدنية والاجتماعية والبيئية إلى جانب مجالات التعليم الذي هو أساس ومكمل لهذه التربية.
لــو تحدثنا كل يوم عن تطوير التعليم وتحسين مستوى أداء المعلمين وأداء الطلاب فلن ينتهي الحديث لأن التطوير والتحسين عمليتان لا تقفان عند حد، ولو جعلنا مقاييس للأداء نبحث أمرها كل يوم فلن نرتضي ـــ إن كنا جادين ومدركين لحقيقة وخطورة الأمر ــ مستوى قياسياً واحداً نقف عنده بل سنجعل من المطالب برفع المستوى أمراً يومياً وشأناً حياتياً، لأن الجهد البشري: فكراً وروحاً وإنجازاً قادر على توفير جو من المنافسة التي تحرك فيه نوازعه وتثير شجونه ليظل في مركز متفوق حتى ولو على نفسه ذاتها، وإذا كانت المعامل والمصانع مطالبة بتحقيق مستويات عالية من الجودة، فإن المدارس والكليات أولى بذلك منها لأنها تتعامل مع الإنسان الذي سوف يتعامل مع المعامل والمصانع.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011