عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
رمضان موسم النجوم
الوطن في 6/9/1428هـ - الموافق 17/9/2007 م

مدرســة رمضـان راقية رقي ما في الشهر من جمال صيام وسمو قيام وترتيل آيات وتدبر أحكام، وهي مدرسة تستوعب الكثيرين وتهب الكثيرين من الصائمين وغير الصائمين ما هم في أمس الحاجة إليه من صفاء ونقاء واستشعار حاجات وظروف آخرين لا يكادون يجدون ما يكفيهم في حياة، وفي رمضان تتحسن صحة الكثيرين الذين اعتدلت حياتهم باعتدال برامج الأكل والشرب والنوم واليقظة والحركة والسكون، فحقق لهم التوازن نمط حياة وأتاح لهم قدراً من الصفاء والطمأنينة والتعايش مع النفس والمجتمع على نحو جميل.
والصــوم في حد ذاته ــ لمن استطاعه ــ في غير رمضان فيه من سمو النفس وحسن التخلق بأخلاق الصائمين ما يجعل من صاحبه نموذجاً يحسن التعامل مع الآخرين ويرتاح الآخرون إلى التعامل معه، بل إن هؤلاء ممن يصومون خارج نطاق رمضان لا يكاد يعرف عن صيامهم أحداً أو يشعر به أحد، مما يعطيه حظاً أكبر من الأدب ويجعل منه خصوصية يتفرد بها صاحبه لأنه لم يفاخر به الآخرين أو يتطاول به عليهم، ولولا أن الظروف تكشف أحياناً عن صيامه لما عرف عنه سواه، وتلك القيمة العظمى التي يتميز بها صائم التطوع حين لا يطلع على تطوعه أحد.
إلا أن رمضان وصيامه وقيامه يخلق جواً آخر من البهجة والفرحة التي تعم الناس كلهم لأنهم يشعرون أنهم يؤدون فريضة من الفرائض وأداء الفرائض يحتاج إلى الجهر بها لأنها تتناول المجتمع كله بحدوده الدنيا والقصوى، فالصائمون يشعرون بأنهم ينتظمون في مدرسة الصيام التي ينتسب إليها من يقطن ربوع المعمورة من المسلمين ولا يختلف عنها إلا من غلبه العذر وأقعدته الحاجة، وحين يجد الإنسان نفسه ضمن عدد كبير من الناس يؤدون عملاً جليلاً فإنه عندها يرى أنه محاط بكل هؤلاء المرتبطين بامتياز والمنضبطين بتفوق في أداء العمل الجليل وربما يدفعه هذا الشعور إلى مزيد من الإحسان والإتقان استشعاراً لجو المنافسة.
فــي هذه الظروف لا يحتاج الصائم إلى كثير من العناء في مزاولة الصيام بل إنه يجد الراحة ويتلذذ بالساعات في النهار وهو يستشعر روح الفريق وربما خطر له أن هنالك من يجتهد في تلاوة القرآن وأن هنالك من يتزود بركعات من النافلة يتقرب بها إلى الله، وأن هنالك من يبحث عن محتاجين وفقراء يقوم عليهم ويسد حاجتهم ويشبع جوعتهم، ويرى السعادة ترفرف في الليل وهو ينتظم في صفوف القائمين في مشاهد استثنائية يظل الكثيرون يشتاقون إليها طوال العام لأنها تجمعهم إلى الاستماع لكتاب الله والى الدعاء كل ليلة على مدى شهر كامل.
والموســم الرمضاني مفتوح لمن شاء أن يبحث فيه عن ضالته بحسب الزاوية التي ينطلق منها والغاية التي يريد أن يصل إليها، فالباحثون عن العلم والتعليم والاستزادة يجدون ما يصبون إليه في الجو المفعم بالروحانية والتدبر والتفكر، والباحثون عن جو القرآن يجدون في رمضان بغيتهم خاصة وأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن، كما أن الباحثين عن القوة والنصر وأيامه وأسبابه يجدون في رمضان معارك فاصلة في تاريخ الأمة الإسلامية من بدر إلى الفتح إلى حطين إلى العاشر من رمضان والمجالات لهؤلاء الراغبين عن مواسم خير في رمضان لا تكاد تنتهي مواسمه وخيراته لأنه يفتح لها الأبواب ويعلي الرايات.
إلا أن الأمر يختلف تماماً عند الفئة التي رأت في رمضان نوعاً من القسوة وفي الصيام حرماناً من الملذات ولم تتمكن من تحقيق تعايش إيجابي معه، أو تقيم برنامجاً متوازناً يمنحها الإيجابيات التي يحققها رمضان في صيامه وقيامه وتدبره وتأمله وتلاوته ودعواته، فأصبحت تبحث عن ملاذ .. أي ملاذ في مجالس التسليات أو حلقات المسلسلات وكأنها تفلت من عقاب وتتلقف التسلية التي تعينها على الهروب من هذا الجو الخانق، لأن الفشل الذي حققته في فهم رسالة الصيام والقيام أثمر هذا الرعب الذي تريد أن تخفف من حدته بتتبع قنوات الفضاء التي تمطر في رمضان من الأعمال الفنية ما لا تمطره شهور السنة مجتمعة.
والأعمــال الفنية هي إبداع يحتاج إلى حسن اختيار للموضوع واختيار للإخراج واختيار للمثلين حتى يؤدي العمل رسالته على النحو الذي يحقق للمشاهدين الأثر المطلوب، فإن تخلف الإبداع جاء العمل هابطاً بنسب تتفاوت بتفاوت قدرة القائمين عليه على التخفيف من حدة الهبوط، وكثيراً ما تنتقد الأعمال الفنية الرمضانية بأنها تقديم لأي شيء لأن المشاهد يبحث عن أي شيء، ولذا فهي لا تحمل في الغالب مضموناً يحقق قيمة اجتماعية أو إنسانية أو تاريخية أو سياسية ولا يعدو الأمر جلب البضاعة إلى السوق الذي يقبل الجيد والرديء، وإلا فما هو العمل الرمضاني الذي حقق تميزاً استحق أن يحفظه الناس في أذهانهم باستثناء بعض الأعمال التي لامست نقداً اجتماعياً محلياً بأسلوب كوميدي مباشر.
والفضــاء الذي يهبط بنجوم الفن حتى تخالط الناس في أيامهم ولياليهم وتجعلهم يأنسون بشيء يخفف عنهم ويرفع من معنوياتهم يقابله فضاء آخر تسطع فيه نجوم الدعاة الذين يرون أن من واجبهم تحقيق توازن أمام الهبوط الذي سعى إليه نجوم الفن، إلا أن الدعوة تحتاج إلى مدعوين وإلى مشاهدين يبحثون عن شيء متميز لدى هؤلاء النجوم، ومما يميز الباحثين في فضاء الدعوة أنهم لا يريدون تكرار الكلام أو الخوض في مسائل ليست من مشكلات العصر أو الاقتصار على موضوعات محددة لا تتغير، بل يحتاجون إلى من يذكرهم بالأصول والأوليات لأنها تغيب أمام التراكمات التي جاءت بها العصور المتتالية فأصبح الدين أحياناً هو هذا الركام وليس ذلك المبدأ البسيط الواضح السهل.
أمــام النجوم من هنا وهناك يحتاج المجتمع ــ طالما أن الفضاء ــ مثقل بما فيه ومن فيه إلى فسحة من النور والى مسحة من الشفافية والى الكثير من الهدوء الذي يجعل الناس يقبلون على أعمالهم في شوق وشغف، ويجعل الطلاب يذهبون إلى مدارسهم وجامعاتهم وهم يدركون أنهم في طريق يوصلهم إلى ناصية المسؤولية وزمام الأمانة، أما هذا العبث وهذا التكرار وهذه المكاشفات الشخصية من هؤلاء فإنما هي ضياع للأوقات وهدر للطاقات وإيهام الناس بأن رمضان موسم عقوبة يحتاج إلى هواة يقومون بالتسلية والتخفيف، بينما رمضان مدرسة العزيمة والمصداقية والإخلاص في السر والعلن ومن جهل القيم الرمضانية فسوف يغرق في فضاء النجوم الذي يذهب به بعيداً عن وظائف النجوم التي يهتدي بها الناس.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011