عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
هلال شتات المسلمين
الوطن في 2/10/1428هـ - الموافق 13/10/2007 م

وجاء الهلال من جديد يوزع دمه بين الديار الإسلامية ليظفر كل منا بنصيب منه ، فمن اختلاف بدايات شهر رمضان إلى اختلاف في بدايات شهر شوال ليصوم أناس ويفطر آخرون اليوم نفسه ، ثم يأتي العيد ليفطر أناس وليصوم آخرون اليوم نفسه ، ولا يكاد يحرك هذا الشتات في البداية هنا أو هناك ضمير من يهمهم أمر الوحدة الإسلامية في شأن ليس مكلفاً ولا يحمل أعباء سياسية أو اقتصادية ولكنه يملأ النفوس بهجة ويعمر القلوب شعوراً بأن هناك أمة واحدة ذات شعيرة رائعة هي ركن من أركان الإسلام تجتمع فيها العقول والقلوب والأرواح والأبدان أيضاً لتعطيها ما تستحق من قيمة وما تحظى به من اهتمام .

ومع أن الهلال هو شعار المسلمين كما أن الصليب شعار النصارى والنجمة السداسية شعار اليهود ، فكان من الأولى أن يكون شعار الهلال وحدة وترابط وانسجام في شأن من أهم الشؤون في حياة المسلم أفراداً وشعوباً ، ولم يجد ملك النمسا ذات يوم – كما تقول الروايات – ما يتشفى به في إغاظة المسلمين إلا أن يصنع فطيرة على شكل هلال أسماها " الكروسان " لتوضع على النار وتؤكل ، لأنه قد أدرك قيمة هذا الهلال في جمع راية المسلمين وتوحيد كلمتهم ، وهو المعنى الجميل الذي يجب أن يحرص الناس العاملون على الحفاظ عليه وأن يبحثوا بكل أسلوب ممكن عن تعزيز هذه الوحدة وتفعيلها وجعلها ركيزة أساسية في ضمير كل فرد حتى تنشأ جماعة تشعر بأهمية هذا الرباط .



والعجز الذي يلحق المسلمين كل عام هو في عدم قدرتهم – وخاصة الدول المتجاورة – في توحيد بدايات الصوم والفطر إلى الدرجة التي يختلف الأمر فيها بين دولتين لا يفصلهما عن بعضهما بخطوط الطول أو العرض أكثر من مائتي كليومتر ، وفي هذا ما فيه من القدرة الخارقة للهلال في التصالح مع أهل مدينة بإطلالة مريحة آمنة ، والتجافي مع أهل مدينة مجاورة باحتجاب يكلفهم اتخاذ موقف مغاير لجيرانهم ، وهو أمر يستدعي الوقوف أمامه طويلاً في الحكمة التي ألجأت هؤلاء وأولئك إلى القرارات التي اتخذوها لتحديد البداية في فطر أو صيام حتى يعرف الناس على أي أساس يستندون ، باستثناء الرؤية البصرية التي يشكك فيها الكثيرون ، ولعل البعض يذكر أحاديث الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله على مائدة الإفطار وما فيها من القصص الغريبة العجيبة عن أوهام الرؤية .

يصرح كثيرون من علماء الفلك في البلدان التي أفطرت هذا العام – وكل عام – باعتماد الرؤية البصرية أن هذه الرؤية غير ممكنة من الناحية الفلكية لأن الهلال يغيب قبل الشمس في يوم الرؤية المزعومة ، وهذه التصريحات من علماء في فنهم تحتاج إلى من يقف عندها من ذوي الرأي والقرار ، حتى لا يعيش أناس في شك من أمر فطرهم وصومهم ، فإما أن العالم الفلكي أو صاحب الرأي الفلكي لا يفهم شيئاً أو أن منهج الحسابات خاطئ وإما أن صاحب الرؤية البصرية واهم في رؤيته وأن هناك التباساً يجتاج إلى إيضاح وتحذير منه ووضع ضوابط واضحة لمفهوم الرؤية البصرية .



في وقت من الأوقات كانت هناك هوة سحيقة بين علماء الشريعة وعلماء الاقتصاد التقليدي في قضايا كثيرة مما يقوم عليه أمر المجتمعات اقتصادياً في مسائل تتعلق بالبنوك والتأمين ومؤسسات التمويل والزكاة وغيرها حتى التقى متخصصون من الجانبين على نقاش وطرح مشكلات وبحث سبل فهم وسبل حوار أثمرت هذه جميعها وغيرها في تشكيل لجان شرعية في البنوك والمؤسسات والشركات إلى جانب قيام شركات وبنوك تمارس أعمالها وفقاً للتجارب الإسلامية المقبولة بل إن مؤسسات غربية في بلدان كثيرة لم تجد أمامها إلا الأخذ بهذه التجارب لأنها تعطي راحة نفسية للمتعاملين من المسلمين معها ولأنها أثبتت أن لها سوقاً كبيرة وعوائد مجزية.

وكما اجتمع العلماء من الجانبين في الأمور الدنيوية البحتة فإن على علماء الشريعة وعلماء الفلك اليوم أن يلتقوا ويبحثوا عن ميادين للحوار وقنوات للنقاش من أجل الوصول إلى حد أدنى من الفهم المشترك الذي يشعر معه الناس بالطمأنينة إلى أن اجتهاداً في أمر الرؤية الهلالية للصوم والفطر يتشكل وأن هذه هي أمة معاصرة حقاً وأنها تعيش تحديات زمانها ولا تغلق أبوابها على فهم معين لا تتعداه إلى غيره ، خاصة وأن النصوص القرآنية تؤكد كلها عملية الحساب في أمر الشمس والقمر وهي إشارة صريحة لا لبس فيها إلى ضرورة إعمال هذا الجانب في جانب الرؤية ومن بينها آية سورة الرحمن وسورة الإسراء وسورة يونس وغيرها .

والأمر اليوم لم يعد شأناً يتعلق بمصلحة أهل مدينة أو بلد كما كان الأمر من قبل بل بمصلحة أمة كاملة أمام تحديات كبرى وهناك أيضاً عشرات الآلاف وربما يصلون إلى مئات الآلاف من المسلمين الذين يقيمون في مكة والمدينة حتى ينقضي رمضان ويسافرون ليلة العيد أو يوم العيد ويصلون إلى بلدانهم التي لا تزال صائمة وقد أشكل هذا الأمر على كثيرين ولا يتعلق الأمر بالجانب الفقهي فذلك أيسر الأمور لكن بالبعد العائلي والاجتماعي والنفسي لمسلم من حقه أن ينال بهجته في العيد مع كل من حوله وما حوله وليس لأحد أن يحرمه هذه البهجة وفي الإمكان تحقيقها بمزيد من الدراسة والتأمل والنظر ، إلا إذا أريد لهذه الأمة أن تظل تعيش أميتها التي أشار إليها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام والتي ألجأته إلى اشتراط تعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة حتى يفرج عن أسير من أسارى بدر من المشركين .

والحساب يرافق المسلمين في مواعيد صلواتهم خلال العام وفي مواعيد إمساكهم وإفطارهم خلال شهر رمضان ولم يتحرجوا من استخدامه ولم يكتفوا في تحديد أوقات الصلوات بالإشارات الحسية التي تركها الرسول عليه الصلاة والسلام فما الذي يجعلهم يتحرجون من الرجوع إليه في بداية رمضان ونهايته، وما الذي يخجلهم اليوم من الفلك وارتياد جزء يسير منه من أجل مصلحة غالبة وهم ذات يوم كانوا فرسانه حتى أن الكثير من النجوم والكواكب والمجرات لها أسماء عربية تعرف بها ويتداولها العلماء في كل مكان في العالم بأسماء عربية فصيحة وليس في الأمر من حرج إلا هذه الهوة السحيقة التي يعجز العلماء من الجانبين في التغلب عليها إلى الدرجة التي يقف فيها المتخصصون في الفلك أكثر عجزاً وتحجيراً على أنفسهم بالصمت المطبق الذي يمارسونه وهم إما شاكون في علمهم أو جاهلون بقيمتهم .


ربما لو أن رابطة العالم الإسلامي أو منظمة المؤتمر الإسلامي أو مجمع الفقه الإسلامي جعلت هذه القضية من القضايا الرئيسة التي تصل فيها إلى قرار حاسم لجمع الأمة في هذا الشأن لكانت فعلت خيراً في حياة كل مسلم ، وأصبح شأن رمضان العيد مثل شأن الحج والعيد هناك حيث يجتمع المسلمون على شعيرتهم في زمان واحد ويعيشون بهجتها في إطار وحدة شاملة، وقد دعا أحد العلماء ذات أن تكون مكة المكرمة هي مرجع القرار في الصيام والإفطار يرجع إليها المسلمون من اليابان شرقاً إلى أقصى الأرض غرباً، وهي دعوة تستحق أن يأخذ بها أخيار ويسعون في جعلها فاتحة توحيد أمر الهلال حتى يكون هلال وحدة لا هلال شتات .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011