عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
" ثـــول " .. حين تصنع تاريخاً
الوطن في 11/10/1428هـ - الموافق 22/10/2007 م

بالأمــس دخلت "ثول" التاريخ ليس من أوسع أبوابه فحسب بل من أرقى أبوابه باب صناعة المستقبل ومنافسة مدن عريقة في عالم العلم والمعرفة وبناء العقول وتغيير الواقع ، ولم تعد تلك القرية الغافية على أهازيج صائدي الأسماك في الأسحار بل سوف تتحول إلى حلبة من حلبات الفكر وقاعة تنطلق من معاملها أبحاث تسهم في تطوير الحياة الإنسانية وتعميق التجربة العلمية وتنافس جامعات عريقة استطاعت أن تحقق لنفسها مراكز متقدمة بالعمل الدؤوب والفكر المستنير.
الجــامعة غير عادية والمكان غير عادي وصاحب الفكرة غير عادي وكذلك أسلوب إخراج الفكرة إلى الواقع غير عادي فجاءت خارج سياق العمل الحكومي الذي تكتنفه البيروقراطية القاتلة أحياناً أو المثبطة أحياناً ، بل عهد بها إلى شركة ذات تاريخ طويل في بناء المشروعات الناجحة إلى جانب سجلها في إنشاء مدارس على مدى عقود طويلة ، كما أن لها سابقة الإسهام الفاعل في إنشاء كلية البترول والمعادن التي تحولت فيما بعد إلى جامعة ولكنها فقدت ذاك البريق الأخاذ الذي كان يوم كانت في أكناف أرامكو الشركة وانتقلت ضمن ركام وزارة التعليم العالي.
فــي اللقاء الرمضاني في فندق هيلتون كان هناك فريق من الجامعة المشروع مع نخبة من الإخوة والأخوات ذوي الرأي والفكر والتجربة الأكاديمية والصحفية وكان حواراً جميلاً أثير الحديث فيه عن المكانة التي يمكن أن تمثلها الجامعة خاصة وأنها تصرف اهتمامها في البحث العلمي في مجالات أربعة وكان هناك تخوف من أن يكون مصيرها مصير مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية والتي بدأت حلماً كبيراً ثم هي اليوم لاتكاد تجد من يحتفي بها أو يُسر كثيراً لأمرها وهي القادرة ـ لو أرادات على أن تسهم ـ كما أريد لها ـ بشكل فاعل في الحياة العلمية والعملية في البلاد.
ليســت المدينة فقط بل إن النموذج الريادي الذي كان لكلية البترول والمعادن قد انطفأ وآل إلى جامعة لاتكاد تختلف كثيراً عن بقية الجامعات في المملكة ، في الوقت الذي كانت هذه الكلية ذات يوم عند نشأتها متفردة متألقة تنافس كثيراً من الكليات الأمريكية العريقة ، وكذلك معهد البحوث بها والذي لايكاد يختلف عن كثير من مراكز البحوث في بقية الجامعات المحلية من حيث نمطية إعداد وإخراج البحوث ليس من أجل إضافات نوعية عالية القيمة تسهم في صناعة واقتصاد ونماء بل من أجل ترقيات محدودة والمؤلم أن بعض البحوث ليس إلا ترجمات أو تحريفاً لبحوث منشورة في مجلات علمية عالمية.
هـــذه الجامعة فريدة في بداياتها ويجب أن يستمر هذا التفرد حتى تحقق أهدافها ومن بين ما يجب أن تحظى به إدارة منتقاة بعناية فائقة وتعطى هذه الإدارة مطلق الحرية في اختيار كوادرها ووضع معايير العمل الجامعي بحيث يستفيد من أفضل التجارب العالمية الراقية في التعليم والبحث ، ومن أجل تحقيق ذلك يجب إعطاء أعضاء الفريق الجامعي صفة مناسبة تخرجهم من إطار الإذلال الذي قد يتعرض له من يأتون للعمل في البلاد إما في السفارات أو المطارات أو في الجهات التي قد لا تستطيع ـ بحكم ضغوط العمل والتجارب السابقة ــ التعامل معهم بخلاف غيرهم ممن لهم معهم تجارب أخرى.
اقتصــار الجامعة على البحث العلمي في المجالات الأربعة ولطلبة الماجستير والدكتوراه يحقق إيجابيات عالية كثيرة إذا ما أحسن اختيار الباحثين والبحوث وأقيمت قنوات اتصال مع المجتمع و الشركات والمؤسسات والهيئات التي تريد تطوير أعمالها ثم كان هنالك اهتمام نوعي بالبحث التطبيقي الذي يفيد الناس بشكل مباشر ، وكانت هنالك قوائم اختيار داخل هذه المجالات الأربعة تقود البحث العلمي إلى أرض الواقع بعيداً عن الإسراف في الخيال ، وإن كان لا غنى عن هذا الخيال أحياناً في سبيل ارتياد مجاهل الكون في بر وبحر وفضاء.
قبــل الاجتياح العراقي للكويت كانت لجنة مشكلة من جامعتي هارفارد ومعهد ماساسوتيش للتكنولوجيا MIT قد فرغت من تقرير طلبت الحكومة الكويتية إعداده من أجل بحث وضع الكويت بدون النفط ، وكان ملخص التقرير هو ضرورة الاهتمام بالإنسان والاستثمار فيه بالتعليم والإعداد ليكون قائماً على إنجازات عالية تجعل من بلد كالكويت تستفيد من النموذج الياباني والكوري والسنغافوري التي لا تملك موارد طبيعية ولكنها استثمرت في مواطنيها فأصبحوا قادرين على تحويل هذه الدول إلى دول متقدمة ، بينما ظلت دول ذات موارد عالية في حال من التخلف بل والتقهقر.
أمـــا الجانب الذي يحتاج إلى إعادة تأمل فيه هو إضافة درجة البكالوريوس في تخصصات تشتد حاجة البحث العلمي إليها في الجامعة حتى يتحقق النموذج الأفضل بجامعة رائدة في المملكة مما يحرك المياه الآسنة في بقية الجامعات ويدفعها إلى أن تستفيد من هذه التجربة إلى جانب أن هذا الأفق الرفيع من البحث الذي تنشده الجامعة في مرحلتي الماجستير والدكتوراه يحتاج إلى انتقاء متميز لخريجي البكالوريوس ولذلك يجدر بالجامعة أن يكون لها نصيب في هذا الإعداد فقد تجد صعوبة كبيرة في قبول كثير من خريجي الجامعات القائمة الآن مالم يُرفع المستوى الأكاديمي والنوعية البحثية.
هـــذه الجامعة التي كانت حلماً في ذهن القائد: خادم الحرمين الشريفين لمدة ربع قرن من الزمان تحتاج إلى احتفاء يليق بها لأنها فريدة في أشياء كثيرة وتحتاج أيضاً على إخلاص يليق بها لأنها أمل للوطن بأكمله يتحقق له من خلالها أن يدخل بوابة التاريخ بصناعة المستقبل ومناقشة الجامعات العريقة والنهوض بالجامعات القائمة الآن من وهدتها ونفض غبار السنوات عنها ، وارتقاء بمراكز البحوث وخاصة مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية لتستعيد الحلم الذي كان في الأذهان عنها يوم أن جاءت إلى الدنيا في أيامها الأولى.
إن لم تتوفر لهذه الجامعة عناصر النجاح بقوة وعناصر بقاء هذا النجاح بقوة وإن لم تكن شفافة شفافية قلب صاحبها وشفافية البحر الذي اختار لها أن تقف على شاطئه تتحدى مسار الحضارات العابرة بين الشرق والغرب فقد تؤول إلى ما آلت إليه سابقاتها وتصبح من المؤسسات الحكومية التي تهتم بالمدخلات دون أي جهد مبذول بالإجابة عن السؤال البسيط: وماذا عن المخرجات ؟!.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011