عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
تــزوير الشهــادات والمهــن
الوطن في 25/10/1428هـ - الموافق 5/11/2007 م

فــي بداية مشوارها تعلن الهيئة السعودية للتخصصات الصحية عن ضبط 610 شهادات مزورة حتى الآن لممارسين صحيين في مختلف التخصصات الصحية أثناء عملية التصنيف والتسجيل ، كما أن قائمة الممنوعين من ممارسة المهن الصحية بلغت 8935 ممارساً صحياً .. إما منعاً قطعياً لا رجعة فيه أو منعاً يخضع صاحبه لمزيد من التدريب والتأهيل يتمكن بعده من ممارسة العمل.
هــذه المعلومات ربما تشكل بدايات الصدمة فيما لو استمرت الهيئة في أعمالها، وكانت من الشفافية والصرامة بحيث تصل إلى المعلومات الحقيقية وتكشف عنها حتى يعرف الناس حجم المشكلة ، وقد يكون من المناسب أن توضح الهيئة طبيعة الأمر في الدول التي توجد فيها هذه الهيئات ، وما هي نسبة التزوير في وثائق العاملين في القطاع الصحي سواء تعلق الأمر بالتزوير في الشهادات الأكاديمية أو في الوثائق المهنية.
الخطــر الناجم عن التزوير الأكاديمي أو المهني يتعلق بصحة الناس وسلامتهم وحياتهم ومماتهم ، واستشعار حجم المسؤولية والعواقب يستدعي شكر الهيئة أولاً أن قامت بهذا العمل والتأكيد على أن يكون خاضعاً لأعلى المعايير والمقاييس حتى لايتسرب إلى القيام على صحة البشر من يزورون وثائق وهم أبعد الناس عن ممارسة هذا النشاط لما يؤول إليه الحال ليس على الصعيد الصحي بل على صعيد أخلاقي وإنساني ، فالذي يزور وثيقة المهنة أو وثيقة المعهد أو الجامعة سوف تكون لديه المبررات الأخرى لعمل كل شيء آخر.
فــي واحدة من زياراتي إلى كوريا في منتصف الثمانينات وفي أحد المطاعم كانت النادل تشرح لنا عن أيامها في الرياض ، وعن عملها ممرضة في واحد من أكبر المستشفيات هناك وعن رحلتها في الحافلة من السكن إلى المستشفى والعكس إلا أنها كانت تنتقد بحدة ما رأته وخاصة في قسم الطوارئ حيث كانت تشاهد بعض الأطباء ، وهي تتوسل إليهم سرعة التحرك لاستقبال حالة حرجة فلم يرفع رأسه عن صحيفته التي يقلبها بين يديه ، وربما تحدثت عن طبيب هندي مبرراً لها بروده أنه يرى الناس يموتون هناك ببطء أو يعانون الإهمال الصحي فلا ناس من أن يكون هؤلاء كأولئك.
هـل ستكون العقوبات عن هذا التزوير الذي وصل حتى الآن 610 شهادة غير الذين منعوا بشكل قطعي مجرد الإيقاف عن العمل، وماذا عن الحالات التي ربما كان التزوير سبباً في سوء تشخيصها بحسن نية أم بسوء نية ، وماذا عن التقارير الطبية البسيطة والمعقدة ، وماذا عن الآثار التي نتجت عن ممارسات يقوم بها من ثبت عجزهم أصلاً عن القيام بالعمل ، وماذا عن الذين وافقوا على اختيارهم مدركين أو غير مدركين واقع حالهم وما هي الإجراءات الاحتياطية التي تمنع تكرار هذه الممارسات حتى يعلم الكل فداحة ماوقع.
ما هــو دور لجان التعاقد التي توفر لها الإمكانات التي تجعلها تختار الأكفاء من المؤهلين والممارسين والقائمين على الأعمال ، هل تبحث في سجلات العاملين المتعاقد معهم ، هل هي تطلب منهم بطاقات أعمالهم حين التعاقد وسجلات موثقة من جهات يمكن الاطمئنان إلى نزاهتها وكفاءتها حتى لا تقع في فخ الغش والتزوير ، أم أنها الواسطة والعلاقات الحميمة التي تنشأ مع مكاتب ومن وراء المكاتب من أجل تسهيل أمور بعض المتعاقد معهم ، ويدفع المرضى هنا ثمن علاقات مشبوهة أفرزت أشخاصاً غير مؤهلين يمارسون في المستشفيات والمراكز الصحية وهم أبعد ما يكونون عن هذا المجال.
وحتى لو كان الشخص يمارس بكفاءة عالية ، فإن مجرد انخراطه في أعمال التزوير في الشهادة الأكاديمية أو الوثيقة المهنية فإن ذلك يعتبر نقضاً لقسم عظيم تعارف الأطباء والعاملون في القطاعات الصحية على القيام به ، وهو يعتمد في الأساس أن هذا الممارس لديه من الخلق والأمانة ما يجعله مؤتمناً على أعراض مرضاه وأسرارهم وخصوصيات حياتهم وهو في الوقت نفسه ناكث عهداً مع متطلبات التأهيل والممارسة ، وهل هناك من علاقة بين ميدان فيه كثير من التزوير والتأهيل الفاسد ، وبين ماصرح به طبيب سعودي من أن 70% من الأدورية التي تصرف للمرضى في المملكة ليسوا بحاجة إليها!!!
ليس كافياً أن يقتصر الأمر على الإعلان عن الحالات بل لابد من وضع معايير في الاختيار والتقويم ، وأن يعلن أيضاً عن العقوبات وأسلوب التأديب ، كما أن الأمر يستدعي الدعوة بشكل أكثر وضوحاً إلى تدريب كوادر سعودية من البنين والبنات في مجالات الصحة وأن توجه لها من وسائل الدعم والمساندة ما يحقق الغاية من جعل التدريب والتأهيل مشروعاً فاعلاً يهدف إلى قطع الطريق أمام الحصول على كوادر من الخارج لأننا قصّرنا وبخلنا كثيراً في الإنفاق على شباب وفتيات نحن في أمس الحاجة إليهم متى ما أخذنا من وسائل إعدادهم وتأهيلهم بالطرق الصحيحة التي نجحت فيها مؤسسات كثيرة ، وأن نقطع الطريق على العابثين في الداخل أو الخارج بحياة الناس وصحة الناس.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011