عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
الجريمـــة البـــاردة
الوطن في 2/11/1428هـ - الموافق 11/11/2007 م

إذا كانت المملكة تستقبل كل عام أكثر من ستمائة ألف حالة ولادة، وإذا كان كثير من الفنيين والفنيات لا يقومون بواجباتهم في أخذ البصمات للمواليد بشكل سليم إما لجهلهم أو لإهمالهم وعدم اكتراثهم أو عن سبق إصرار وترصد فما هو المآل الذي يمكن أن يصل إليه الحال في شأن هؤلاء المواليد الذين يؤخذون لغير عائلاتهم؟ وماذا يمكن أن يتعرضوا له لو كان هناك تباين في الشكل واللون وعدم الانسجام؟ وما هي طبيعة الحياة التي ستتعرض لها الأمهات والنظرات والكلمات التي سوف تظل سهامً تلاحقهن أين ذهبن؟ وماذا عن التناغم الأسري والاجتماعي والنفسي في مثل هذه الحالات التي تقوم فيها علامات الاستفهام؟
يشير أولو الاختصاص إلى أن هناك صعوبة في توفير العدد الكافي من الفنيين والفنيات المؤهلين للقيام بهذه الأعمال ، ويشير بعض الكتاب إلى أنه يعرف حالات كان فيها تبديل أطفال ويؤكد ذلك وتشير التقارير الصحفية والقصص المنشورة إلى تظلمات من أولياء أمور سجل الطفل ولداً ذكراً ثم أفيد بأنه توفي وعند الدفن تبين له الجثة لأنثى ، وهي كلها أمور تدفع إلى التفكير في هذه الجريمة التي لايكاد يلتفت إليها أحد ، ولايتوقف عند قراءة بعض أخبارها أحد ، ولايكاد يتعاطف مع أصحاب المعاناة الذي يطرحون همومهم على صفحات بعض الصحف أحد.
هذه المشاعر الباردة كانت كذلك لأنها لم ترى على السطح آثاراً مباشرة لهذه الجريمة الباردة التي تتم في غرف الحاضنات وغرف الأطفال في المستشفيات بعيداً عن نظام يطمئن الناس إلى سلامته وإلى إجراءات يعرف القائمون على الولادات دقتها وانضباطها وجهاز يختار من الكفاءات مايؤدي به الأمانة ولايكتفي بالاختيار بل يسعى في التدريب والتأهيل ثم المراقبة والمتابعة والتحري والإنصات إلى شكاوى الناس وأخذ هذه الأمور بالجدية التي لا تجعل لأحد حصانة لأنها الحياة ولأنها الأعراض ولأنها البيوت التي تحتاج إلى الاستقرار والسكينة والرحمة.
ماذا لو افترض أحد أن واحداً في المائة أو واحداً في الألف من حالات الولادة قد تتعرض لأخطاء مقصودة أو غير مقصودة فإن الأمر يعني انتقال إما ستة آلاف أو ستمائة طفل إلى غير آبائهم وأمهاتهم ، وقد لانجد أباً تركياً تذهب به الظنون كل مذهب ويقاوم توبيخ من ذهب إليهم يشكو الأمر ويذكرونه بأن يتقي الله في زوجته ولكنه يشرح في اطمئنان ويقين بأنه ربما حصل خطأ في المستشفى ثم يعود بنتائج التحليل في يده إلى نجران وهنا يخرج القائمون عن القواعد المنظمة للتحليل والتي تستدعي إجراءات شبه مستحيلة وينكشف الحال ويتبين أن هنالك خطأ وأن التبديل بين الطفلين قد تم في المستشفى.
هـل يقوم باحث صحفي متألق أو طالب دراسات اجتماعية مستنير باستقراء ما نشرته الصحف وما تناقلته بعض الأعمدة وما قد استقبلته بعض المستشفيات في فترة زمنية معينة ويخرج على الناس ببحث يوضح فيه أنه وجد أن هنالك العديد من القصص والأخبار والحالات التي قد تشكل في مجموعها ما يمكن أن يكون ظاهرة ــ وإن كانت محدودة ــ ولكن آثارها خطيرة على البيئة الصحية لأنها تكشف عن خلل عميق في تناولها أو يعتبر بسيطاً مقارنة بالكثير من الأخطاء الجسام في مجالات التحليل والتشخيص ووصف العلاج ، وإجراء العمليات إلى آخر قائمة ما يمكن أن يقع تحت هذا القصور.
هــذا البحث قد يدلنا على أن هناك العديد من الأمور تحتاج إلى اهتمام وفي مقدمتها حسن اختيار وتدريب وتأهيل العاملين في القطاعات الخدمية الإنسانية بشكل عام والصحية بشكل خاص ، في ظل إهمال تدريب الكوادر الوطنية على صعيد المهارات وعلى صعيد الأخلاقيات والاستفادة منها في القيام بواجبها في توفير الحد الأدنى من الأمن الصحي في هذا الجانب وكذلك في ظل الإهمال الذي يشاهد في استقدام عناصر تتلقى تدريبها هنا وتمارس في بعض الأحيان رغبة في التأهيل ــ إن كان لديها الاستعداد ــ من أجل فرصة عمل شبه مضمونة في الولايات المتحدة أو كندا أو أوربا الغربية.
فمأساة الطفلين يعقوب وعلي إنما أعمق وأبعد تأثيراً في حياتنا ولكن الأمر لم يؤخذ على محمل الجد في بعض القصص التي تناولتها الصحف من قبل ، أما وقد أصبحت قصة الطفلين شأنا يومياً لكل صحيفة حتى الآن فلا يكفي في التكتم عليها أن يؤمن لهما سكن أو تدفع لهما مبالغ مالية أو تضمن لهما رحلات سياحية بل لابد من توفير قدر من الحماية للمجتمع بشكل عام بإعلان صريح وواضح عن الخطأ وكيف تم ، وكيف يمكن أن يتكرر ، وما هي الإجراءات التي كانت سائدة من قبل وماهي الإجراءات التي تم اتخاذها من بعد لتوفير الأمان وتحقيق الحماية.
تؤدي حوادث كثيرة إلى الموت أو القتل ويعرف الناس بالأمر ويتقبلون المصيبة على أنها جزء من الحياة التي عليهم أن يواصلوا مسيرتهم فيها حتى النهاية ، أما أن تؤدي حوادث إلى نقل شخص إلى غير أمه وأبيه فإن ذلك يسودها القلق والشك والريبة والاتهامات ، ولأن النظام لا يجيز اختبارات الحمض النووي إلا في ظروف استثنائية شبه مستحيلة فإن الاكتفاء بالألم العميق وغصة المعاناة التي ترافق أشخاصاً عديدين حتى نهاية حياتهم هي المخرج الوحيد ، أو أن يرزق الله أحد الطرفين بتركي أو وافد يقوم على شأنه باقتدار يستطيع من خلاله إنقاذ ما يمكن إنقاذه فإن الأمور ستظل تراوح في مكانها.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011