عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
الشفافية في عصر سقوط الحواجز
الوطن في 17/11/1428هـ - الموافق 26/11/2007 م

أصــدرت المنظمة الدولية للشفافية ومحاربة الفساد تقريرها للعام 2007م ويشمل معلومات عن (180) دولة في أقاليم العالم المختلفة حيث قسم التقرير العالم إلى ستة أقاليم وأوضح التقرير الأسلوب الذي استند إليه في إجراءات المسح والاستقصاء وأوضح كذلك الدرجة التي نالتها كل دولة في هذه الأقاليم الستة ومستواها في الإقليم الذي تنتمي إليه وكذلك مستواها بين دول العالم بشكل عام.
وقــد حصلت الدول التي احتلت المركز الأول على مستوى العالم على معدل (9.4) وعددها ثلاث دول هي "نيوزلندة والدنمارك وفنلندة" كما حصلت دولتان على المركز الأخير بمعدل (1.4) وهما "الصومال ومانيمار" بعد العراق مباشرة، بينما حصلت معظم الدول العربية على مستوى ثقة يتراوح بين (3 و 5) درجات على المؤشر مما يدل حسب تعريف المؤسسة على تحديات خطيرة أمام الدول التي تقع في هذا المستوى.
وإذا كان مقياس "ريختر" يزداد سوءاً كلما زادت قيمته بحيث تصبح الحالة في غاية التدمير إن تجاوز المؤشر تسع درجات، ويكون مقبولاً محتملاً حين يقل عن الخمس، فإن مقياس الشفافية على العكس من ذلك حيث يصبح مدمراً وخطيراً حين يقل عن الخمس درجات ويصبح دليلاً على اقتصاد يقل فيه الفساد والتلاعب والمحسوبيات حين يزيد معدل القياس عن تسع درجات.
ممــا يجدر ذكره أن التقرير أشـار في تعليقه على الجزء المتعلق بالشرق الأوسط أن نتائج هذه السنة تدل بوضوح على أن الفساد وغياب الشفافية لا يزالان يشكلان تحدياً مهماً للغاية لتطور هذا الجزء من العالم، مضيفاً إلى أن من بين الدول العربية التي وقّعت على معاهدة الأمم المتحدة لمحاربة الفساد (UNCAC) هي: "الأردن والكويت وليبيا وقطر والإمارات العربية المتحدة واليمن"، وجاءت الأردن على وجه الخصوص لتكون الرائدة في بذل الجهد والالتزام بالمعاهدة وفي الوقت ذاته هي البلد العربي الوحيد التي اختارت أن تكون وبشكل تطوعي ميداناً للمراجعة بشأن هذه المعاهدة، بينما تحتل بقية دول الإقليم مواقع متأخرة في مجال التطبيق.
هــذه المقاييس التي تتنافس دول العالم أو القيادات السياسية والاقتصادية من أجل تحقيق مراكز متقدمة فيها إنما تدل بوضوح على مدى ما تتمتع به هذه القيادات من رغبة في تحقيق أقصى قدر من الرفاهية والعدالة والشفافية ومحاربة الفساد والمحسوبية ومتانة الاقتصاد وسلامة البنى التحتية التي تفتح المجالات للاستثمار المحلي والأجنبي من جهة، وتتيح الفرصة للمواطنين للحصول على فرص وظيفية وتحقيق دخول مناسبة، مما يقلل من فرص انعدام الأمن وانتشار الجريمة والكراهية والأمراض الاجتماعية.
تحتـاج الدول التي يقل معدلها عن خمس درجات إلى إعلان حالة طوارئ في الإدارة وتصريف أمور الاقتصاد بحيث تجعل من الممكن تطبيق معايير الشفافية ومكافحة الفساد بشكل إلزامي في كل قطاعاتها بعيداً عن المؤثرات أو العوائق التي تعترض سبيل أداء نظيف يشعر الناس بأن الأمور العامة تُدار بشكل فاعل وأن الأجهزة الرقابية تؤدي أعمالها بكفاءة واقتدار، بل تطبق المعايير التي نجحت الدول ذات المراكز المتقدمة في تطبيقها .
الــدول التي احتلت مراكز أعلى من ست درجات قد تكون في الحد الأدنى نماذج ينظر إلى نجاحها في الانتقال والوصول إلى ما وصلت إليه، ثم إذا فتح الباب أمام تطوير لمعايير الإصلاح والشفافية وأعلنت وأخذت بها الأجهزة المختلفة تكون قاعدة للانطلاق إلى معدلات أعلى، وترصد في الميزانية السنوية والخطط الخمسية معدلات يلزم تحقيقها على المستوى القومي وعلى مستوى القطاعات الفرعية الجغرافية والوظيفية.
الحواجــز التي كانت تخفي كثيراً من حقائق الحياة بفعل الخوف والجهل وعدم الاكتراث وضعف المحاسبة لم تعد موجودة اليوم، وقد يأتي الغد الذي يتجاوز الأمر فيه مجرد الكشف عن المعلومات المتعلقة بجوانب في الاقتصاد والسياسة إلى الملاحقة القضائية أو الجنائية في عالم تتقاطع فيه دوائر المصالح ودوائر التأثير ودوائر اتخاذ القرار، لدرجة أنه آخذ في التحول إلى قرية كونية صغيرة بمقاييس شفافية الاتصال والمواصلات والمنظمات ومعايير القوة والضعف.
والإعـــلام الذي كان يصنع الحدث قد انتهى منذ زمن ليس بالقصير إلا في بعض مناطق من العالم تحب القديم والتراث، وإلا فإن الحدث اليوم يصنع الإعلام ويطوره وينقله من عالم إلى عالم ومن حال إلى حال، لا يكفي أن نقرأ ما يعرض علينا بل يجب أن نصنع ما يحدث وأن نصوغ ما نقرأ وأن نكون من الفاعلين في هذا العالم الذي لا ينشغل كثيراً إلا بما يشغله حقاً ولا يلتفت إلا إلى ما يثير اهتمامه وانتباهه، ويظل القابعون خارج نطاق التأثير غير مدركين بما تمور به الحياة من أشخاص ومن أشياء.
ســوف يكون هذا الأمر محور الاهتمام حين يعلن عن مسابقة سنوية لأفضل جهاز حكومي أو غير حكومي شفافية وبعداً عن الفساد، وكذلك أسوأ جهاز في هذا المجال لأن الأمر منوط بالتقدم والتطور والنمو، إضافة إلى أن عالم اليوم لا مكان فيه لمن يريد الاختباء وراء الحواجز بها وإلى أن المنطقة العربية ذات إرث أخلاقي يستند إلى حضارات دينية وقومية وأهمها وأعظمها الإسلام، وسوف نكون محور الاهتمام حين نتصاعد في مقياس الشفافية ومحاربة الفساد لنتجاوز المستوى الخامس فالسادس فالسابع وهكذا، وكما قال المتنبى: "على قدر أهل العزم تأتي العزائم" .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011