عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
فتح آفاق الحرمين الشريفين
الوطن في 30/11/1428هـ - الموافق 9/12/2007 م

بالأمــس القريب فتحت أبواب الحرم المدني مما أتاح للناس مرونة أكبر ويسراً أكبر وأراحت ا كثيرين ممن كانوا يضطرون إلى التفاف من أجل الوصول إلى باب مفتوح لكنه أبعد، بل قد تَحدّث البعض عن الفرص الاستثمارية والتجارية التي أتاحتها عملية فتح الأبواب مما يعني أن القرار له أبعاد تتجاوز مجرد الدخول إلى الحرم أو الخروج منه لتشمل التجارة والمساكن وحركة السيارات والمشاة، وهو التطبيق العملي لديناميكية اتخاذ القرار وآثاره الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والإنسانية.
واليــوم تُفتح أبواب الحرم المكي جميعها وهي مناسبة ثانية لابتهاج الناس بقرار يسهم في التيسير والتخفيف عليهم سواء في الحركة أو التدافع، وفي الحديث عن فتح أبواب الحرمين لابد من التساؤل عن سبب إغلاق الأبواب هذه السنين الطوال وحرمان المصلين في أهم مسجدين على وجه الكرة الأرضية من مرونة ويسر وراحة هم في أمس الحاجة إليها خاصة وأن فيهم كبار السن والمرضى والنساء والأطفال، كما أن الأوقات دقيقة وصارمة فهي إما صلاة أو إفطار أو سحور أو تسوق لمسافر غريب يريد أن يستفيد من وقته إلى أقصى درجات الاستفادة.
لــم تكن أبواب الحرم تغلق في أواخر التسعينات الهجرية (السبعينات الميلادية) ولم تكن تخضع لمفتشين ومفتشات كما يراه مرتادو الحرمين فيما بعد، ذلك أن الإرهاب الذي اختار مكة في تلك الأيام لينغص على محبيها السكينة والطمأنينة الذي يجدونه فيها، ولينتزع منها تلك الهيبة والإجلال والوقار الذي كان يكسوها منذ اللحظة الأولى التي يتهيأ فيها المسلم للمغادرة إلى بيت الله الحرام والى مسجد رسول الله ? ، وقام المئات من المجرمين الذين أغلقوا قلوبهم عن كل حب وعيونهم عن كل نور ونفوسهم عن كل رحمة وعقولهم عن كل فكر سليم، واختاروا سراديب الحرم منطلقاً لهم ومستودعاً للعتاد والذخيرة والمؤونة ثم أغلقوا أبواب الحرم وأحكموا القبضة على المصلين والعاكفين والركع السجود، وبقيت كثير من الأبواب بعد ذلك على حالها من قبيل الوقاية والحيطة، فتحقق لهم ــ وإن خسروا الجولة كلها ــ بعض مرادهم بصد الناس وحرمانهم من اليسر والسهولة والطمأنينة والسكينة.
اليــوم وبعد أكثر من ربع قرن يختفي الحرمان بفتح أبوابهما وإشراعها أمام الناس على مدار الساعة، وهي بهجة تستحق أن يصحبها إطلاق أسماء على الأبواب بدلاً من الأرقام التي تحملها، ومن المناسب النظر في اختيار أسماء تحث على التسامح والمحبة والإيثار والعفو والصفح بدءاً من باب السلام مروراً على القيم الإسلامية التي جاء بها القرآن والسنة، ومن الجمال أيضاً أن تكتب على الباب ما يحث على الالتزام بهذه القيمة وما يحث على تذكير الآخرين بها، ومن الجمال تسمية بعض الأبواب بأسماء أنبياء ورسل لأنهم لم يأتوا بغير الإسلام وإن اختلفت الأسماء، وأن يطلق على بعضها أسماء من قاموا في الناس بالحب والصفح والتسامح من العلماء والصالحين وأصحاب الأعمال العظيمة في حياة المسلمين من كافة بقاع الأرض.
يتزامــن مع فتح أبواب الحرم المكي أمام المصلين والحجاج والمعتمرين تعيين إمامين جديدين خارج دائرة التعيين التي أصبحت القاعدة على مدى عقود طويلة، وهي خطوة أخرى نحو المزيد من الانفتاح والاحتواء المحمود بما يضيف وبشكل كبير إلى الخطوات التي يستدعيها الإصلاح في مجالات مختلفة وكذلك إلى فتح ساحات الحوار الوطني في مناطق مختلفة وفي موضوعات مختلفة مما يسهم في تعزيز الروح الوطنية باستحضار كل كوامن الشعور بالمسؤولية وتفعيل روح المشاركة والى أن العمل استحقاق وليس هبة من الهبات، ولا يُعفى أحد من أن يعطي بأقصى ما يمكنه العطاء لأن نجاح الوطن هو مجموع النجاحات التي يقدمها القادرون والمبادرون في مسيرة تحقق في نهاية المطاف الحماية والأمن والاستقرار.
ومــع سياسة فتح الأبواب وتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص في هذا المجال إلى جانب ميادين أخرى، ومع سياسة إتاحة الظروف التي تسهم في بناء روح المسؤولية الاجتماعية والريادة في الإبداع في الأداء والعطاء، فلعل من المناسب فتح الآفاق ليأخذ الحرمان مكانة أكبر في تحقيق معاني الإخاء والانتماء لدى المسلمين في بقاع الأرض كلها، وذلك باختيار قراء متميزين في قراءات غير القراءة الشائعة في المنطقة هنا حتى يصدح بها أئمة في الحرمين الشريفين وخاصة في المناسبات الكبيرة مثل رمضان والحج فيعرف الناس كلهم أن للقرآن العظيم إعجازاً في كل مجال بما في ذلك القراءات، ومن يستمع إلى بعض القراءات مثل قراءة ورش عن نافع أو قراءة السوسي عن أبي عمر يجد العجب العجاب مما يفتح للنفس والقلب والروح آفاقاً من الإعجاب والتألق والعظمة.
وحتــى يقطع الطريق أمام المزايدات السياسية في هذا الباب فقد يقتصر انتقاء الأئمة على أولئك الذين يقومون بالتدريس في جامعة أم القرى بمكة المكرمة أو الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، بل إن أستاذاً جامعياً في أم القرى اليوم يصلي في بعض مساجد مدينة جدة في رمضان لتبعث قراءته في النفس من المشاعر وفي العينين من دموع تحركها القراءة الخاشعة ما يجعل من مثل هؤلاء رصيداً عظيماً يحقق من التآلف والتحاب ما لا يحققه سواه، وللمرء أن يتخيل الأثر الذي يتركه قاريء من شمال أفريقيا أو غربها أو من جنوب شرق آسيا يسمعه الناس على قنوات البث المباشرة في أوقات البث التي تنظم العالم كله وبقراءات مختلفة، وهي الفرصة التي تكسب بها عقول وقلوب المسلمين وغير المسلمين وقد سبحت التلاوات في أثير الآفاق على كل سماء في هذه المعمورة.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011