عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
الكتاب والقلاع التجارية
الوطن في 15/12/1428هـ - الموافق 24/12/2007 م

حــين قرر العالم الرياضي البريطاني الشهير في جامعة كمبردج الأستاذ "ستيفن هوكنج" أن يكتب كتاباً علمياً عن الكون يكون سهلاً رصيناً مستهدفاً المسافرين والمنتظرين في محطات السفر أو مواعيد الأطباء وغيرها نصحه الناشر أن يتحاشى المعادلات الرياضية لأن كل معادلة سوف تخفض مبيعات الكتاب بمقدار النصف ، ولم يستخدم المؤلف إلا معادلة النظرية النسبية لأينشتاين.
ظهــر الكتاب الذي أطلق عليه ( تاريخ موجز للزمن ) في أواخر الثمانينات حقق لمؤلفه ما أراد فكان من حيث المبيعات في المرتبة الثالثة بعد الإنجيل وكتب شكسبير واستطاع وهو المعوق بدنياً والملقب في الوقت ذاته بأهم عالم في القرن العشرين أن يجعل من مادة علمية بالغة التعقيد موضوعاً شيقاً بحيث احتل كتابه المركز الأول في مبيعات الكتب على بعض الصحف البريطانية الكبيرة على مدى أربع سنوات متتالية ، وربما سرّه الإقبال المذهل على الكتاب فقال في شيء من السخرية : "لو أنني استبعدت معادلة النظرية النسبية لكنت ضاعفت مبيعات الكتاب".
الجهــد الذي قام به هوكنج كان عظيماً لكن الأعظم منه هو القاريء الذي لم يفترض مسبقا أن الكتاب ليس إلا نظريات فيزيائية رياضية تتعلق بالكون بينما قراء كتب الجيب لا يستمتعون إلا بالروايات والقصص ذات الطابع خفيف الظل سهل التناول ، وقد لا يستغرب أن تجد روايات الخيال العلمي سعة انتشار لما حظيت به من تحويل كثير منها إلى أفلام أو إلى مسلسلات، إضافة إلى أن الكثير منها أطلق العنان لمشاريع علمية وبحثية وتجارية عادت بمردود رفيع على البشرية .
نجــح المؤلف في التبسيط ونجح القاريء في الارتقاء إلى أفق الكاتب المتخصص ففاز الكتاب ولا يزال مما حدا بالعالم نفسه إلى أن يخطو خطوة ثانية على نفس الطريق بكتاب آخر لكن بعد سنوات تزيد عن اثنتي عشرة ، والنجاح الأكبر يرجع إلى البيئة التي تحرض على القراءة وتحث على الكتابة وتجعل منهما ركيزة مجتمع متين بدءاً من البيت وقراءة ما قبل النوم ثم بالمدرسة في مراحلها المختلفة وما تضمه من مكتبات هي من بين معايير تصنيف الجامعات وما يقام من مسابقات شتى للكتب والكتّاب .
بــل إنك تسير في الأسواق وتعبر الشوارع فترى المكتبات عاملاً مشتركاً في كل ما ترى ، ولا تراها أقل شأناً من غيرها من المتاجر والمعارض في التزين والتألق وحسن العرض ، وقد تجد أن بعضها يتفوق على كثير من أجمل ما عداها من أسواق ، ولن تعدم أن تجد مقهى أو مطعماً خفيفاً في أحد أدوارها فتنتقي ما شئت من كتاب لتقرأه أو تقرأ فيه دون إلزام بالشراء ، وهي خدمة إن استفاد منها 10% من الزبائن فإنها ستعوض بفوائد عظمى من الـ 90% الآخرين .
كانــت كثير من شوارعنا تزخر بمكتبات تليق بما كنا عليه من حرص على التعلم وما كنا فيه من حال اقتصادي يتجاوز حدود الكفاف ، وإذا كان هناك عصر لمخضرمين من شعراء وأدباء بين عصرين نقيضين فإن الحقبة التي قامت فيها مكتبات تهامة بدورها التاريخي في الانتصار للكتاب نشراً وتوزيعاً تعتبر من معالم عصر مخضرم في صناعة علم القراءة حيث انتشرت فروعها في المطارات والمجمعات التجارية الحديثة آنذاك والشوارع ، ولم تكن في النشر محدودة الأفق بل إنها لامست العديد من الآفاق وتناولت مختلف جوانب الثقافة، وغدا كتاب تهامة رفيق كثير من المسافرين والمضطرين إلى انتظار هنا أو هناك.
وكما انحسرت المكتبات من قبل تراجعت تهامة عن دورها العظيم ثم جاء غزو المجمعات التجارية الضخمة بعد أحداث سبتمبر ونمو مداخيل واسعة في أيدي قليلين كان وراءها صعود غير مسبوق في أسعار الأراضي والبترول والأسهم، ونجحت هذه المجمعات في استقطاب المجتمع إليها ، لكنها على ما تتمتع به ضخامة وفخامة وإبداع لم تنجح في أن يكون للكتاب فيها موطيء قدم بل قصرت نشاطها على الجسد فيما خف وتنوع من طعام أو لباس وأغلقت كل منفذ إلى العقل في أي صورة من الصور حتى إن بعض محلات بيع الصحف والمجلات لم تطق مقاماً أمام هذا الجفاء .
ومــع ضراوة هذا الغزو ومع الغفلة الضاربة على العقول والقلوب أخذت بعض المكتبات وفي مقدمتها جرير بزمام مقاومة غزو المجمعات التجارية ببناء مجمعات تقوم بما تقوم به تلك إلا أن الأساس هو الكتاب وثقافته وما تعلق به ، واستطاعت أن تكسب من الإقبال ومن القبول بقدر ما قدمته سواء من حيث الموقع أو التصميم أو التنوع والتكامل ومع أنها مبادرة ضرورية إلا أنها غير كافية حيث أن هذه القلاع التجارية تحتاج إلى أن يقتحمها الكتاب بأسلوب عصري يناسب ما تتمتع به من وسائل التشويق والإغراء مما يجعل من ستيفن هوكنج وكتابه نموذجا يستنير به من يريدون أن يجعلوا من الكتاب مدخلاً لغد التحول في مجتمع يكاد الهوس الاستهلاكي يقضي على كل مقومات بناء المستقبل الذي يليق بمكانه وبمكانته .
يكاد الحزن يعتصر قلب المرء وهو يرى سوقاً يزيد طوله عن كيلو متر يؤمه عشرات الآلاف من الناس ويتنقلون بين طوابقه لكنك لا ترى كتاباً يُباع، ولا كتاباً في يد أحد من هذه الآلاف المؤلفة بالرغم من وجود العديد من المقاهي والجلسات فيه، وإذا لم يكن هناك من هيئة تنتصر للكتاب وللقراءة، فإن الأمل كبير في مؤسسات المجتمع المدني من مراكز أحياء وأندية ثقافية وغيرها بأن تقيم لجان قراءة وكتاب في كل حيّ وفي كل قرية وان يسعى أنصار الكتاب ليكون رفيق الشباب والفتيات، وكما ينجح المتقاعدون في سرد تجاربهم ونجاحاتهم فسوف ينجحون إن جعلوا من الكتاب قضية مجتمع وقناة حوار .

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011