عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
التحدي الكبير
الوطن في 22/12/1428هـ - الموافق 31/12/2007 م

هــذا هو زمن القوة التي لا تستند إلى الحق، وزمن الغطرسة التي يستمتع بها من أتيح لهم من منتجات التكنولوجيا ما أصبحوا به سادة العالم بعيداً عن العدالة وعن القانون، وهذا هو زمن الذين يوظفون الثروات في النّيل من حقوق الآخرين في أموالهم وأعراضهم وممتلكاتهم ودمائهم، وليس أمام هؤلاء إلا طريق لا مكان فيه لحق أو عدل أو قانون أو إيمان، فإذا الصدى الذي يتجاوب مع أخطائهم أخطاء جديدة بأيديهم أو أيدي غيرهم، لتستحكم الفوضى، ويعم الخراب وتسيل الدماء وتتناثر الأشلاء ويبحث الناس عن مخرج فلا يكادون يرون إلا ساحات المقابر.
القــوة أحياناً أقوى من الحق، ولكنها لا تصمد طويلاً مهما توفر لها من وسائل العنف وأسباب التنكيل، والظلم أحياناً أيسر من العدل ولكنه لا يستمر إلى ما لا نهاية لأن النفوس لا ترتاح إليه ولا تطمئن له وأول الذين يعانون منه هم الظالمون أنفسهم قبل المظلومين لأنهم لا يستمتعون كثيراً بما هم فيه بل يشعرون بقلق أمام مفاجأة انتقام تفسد عليهم ما حصلوا عليه وتذهب من بين أيديهم ما اقترفته في أوج السطوة والقوة والعدوان، ولذلك كان لهذه الحياة كشف حساب يصلح أن يتأمله القادرون على إعادة التوازن فيها بقدر استطاعتهم : بالكلمة والموقف والفعل والمال.
وحيــن تحتدم الفوضى وتصبح القوة فوق الحق، والجهل فوق العقل والأنانية فوق التسامح تشتد الحاجة إلى أن يكون هناك أمل في تغيير وتتوق النفوس إلى صباح تشرق فيه الحياة بما يعيد إليها شيئاً من الضياء والصفاء والنقاء، شيئاً يبعث على الطمأنينة إلى أن للحق مكاناً على الأرض وللعقل قبولاً بين الناس وللتسامح يداً تقرب بين بني آدم وتشعرهم بأنهم إخوة يجمع بينهم نسب واحد ويلتقون على مصالح مشتركة ويتوقون إلى قيم تحقق لهم قدراً من القبول ببعضهم البعض مهما اختلفت ألوانهم وتعددت مشاربهم وتباينت غاياتهم.
قــد يبدع الأدباء والشعراء والحكماء والمثقفون وأصحاب الأقلام في الدعوة إلى استنهاض العقول وتحرير النفوس من الأثرة ودعوة الناس إلى حسن التعايش والحوار خاصة وأن الأرض اليوم لم تعد أرض الأمس وأن سبل الحياة لم تعد سبل الحياة بل بات التواصل والتقارب أدعى إلى ضرورة تعايش كريم يحقق للجيران قدراً كبيراً من التفاهم والتعاون، ولم يعد أحد قادراً على أن يعزل نفسه بعيداً عن الآخرين غير عابئ بهم أو مكترث بأحوالهم، بل هو يسمع ما يدور بينهم ويرى ما يحل بهم ربما في نفس اللحظة التي يعلمون هم بما يجري لهم.
لكــن الأقلام والأوراق وحدها ليست قادرة على تحقيق ما يصبوا إليه سكان كوكب أصبحوا وكأنهم يعيشون في مدينة واحدة، ولعل في الأمر ما يلامس الحلم الذي راود أحد الكتاب حين راق له أن يتطلع إلى أن يكون عام من الأعوام لعله عام 1984م عام حكومة عالمية واحدة، وهو حلم أو نبوءة فيها من الغلو ما يجنح بها إلى عالم الخيال، لكنها أيضاً تحمل من الجمال ما يجعلها قادرة على أن ترفرف في كثير من العقول والأفئدة، لكن الآمال لا تبني من الواقع إلا بقدر ما تجد من عزيمة صادقة ومن جنود تدفع بهذه الآمال إلى واقع يعيشه الناس ويتحركون فيه .
يحتــاج الأمر إلى قادة بيدهم مقاليد الأمور وحولهم من الرجال من يسعون في اتخاذ قرارات تحقق آثارها ونتائجها على أرض الواقع، ويحملون من الرؤى ما يحمله الأخيار وذوو العقول السوية والوجدانات الحية من بني البشر، حتى إذا انطلقوا بهذه الرؤى وجدت من القبول والتلاحم معها ما يترجم تطلعات الأقلام والأوراق التي ترصد ما يجول في النفوس والعقول، وبذلك يتحقق للبشرية شيء مما تصبوا إليه ويدفعها الشعور بالطمأنينة إلى المزيد من التقارب ويعطيها الأمل بالشعور بأن للحياة معنى أجمل ما تراه وتسمعه من صيحات التجييش والتأليب والحض على الإبادة والتصفية والتدمير.
طـافــت هذه المعاني في الذهن وأنا أتابع كلمة خادم الحرمين الشريفين في منى ورأيت فيها ما يقوله قائد عظيم في موسم عظيم ومقام عظيم، ثم رجعت بالذاكرة فإذا بهذه الكلمات التي جاءت معدودات لا تكاد تملأ صفحة أو أقل تختصر مسيرة قائد سعى بنفسه إلى رأس الديانة النصرانية ليؤكد على قضايا من أهمها أن التعايش يقتضي التواصل والحوار وأن إطلاق العنان للسان ليقول ما يشاء كيف يشاء ليست من صفة قادة الأديان السماوية ثم هو استضاف في هذا الحج الرئيس الإيراني في وقت تحتاج فيه الجارتان المسلمتان إلى أن تكون اللقاءات والصراحة أساساً للعمل وأساساً للنقاش.
وقبــل ذلك ذهب بعد أحداث سبتمبر وعقد مع الرئيس الأمريكي في مزرعته اتفاقاً باستقبال (5000) طالب للدراسة في الوقت الذي كانت ترفع فيه الحواجز أمام هؤلاء وسألت يومها أصدقاء في وزارة التعليم العالي فأوضحوا أن هذا العدد خارج نطاق الميزانية وأنه يفوق أعداد كل المبتعثين آنذاك، ثم سعى في التوسع في فتح الجامعات على الصعيد المحلي وإيفاد الطلاب دولياً، ومعلوم أن التعليم العالي هو أساس بناء الحضارات إذا ما لازمه إتقان وإبداع وتحرر في التفكير ضمن الثوابت والعقول الواعية، وقد أضيف إلى هذه إطلاق منابر الحوار الوطني واعتناءه بالموهبة والموهوبين واستعادة المعتقلين حتى لم يبق منهم إلا القليل، وأشياء كثيرة جداً تحتاج إلى وقفات ومن أقربها إصلاح القضاء وإصلاح التعليم .
كثيـــر من القادة يتكلمون كثيراً ويذهبون بعد ذلك ليناموا نومتهم القصيرة أو الطويلة لكنك لا تجد شيئاً مما قالوا، وكثير من القادة أيضاً يفعلون الكثير لكنك لا تجد النفع الذي يعود على الناس القريبين أو البعيدين بالخير من هذه الأفعال، وما يحتاج الناس إليه حقاً هم أولئك القادة الذين إن قالوا فعلوا وإن فعلوا حققوا في حياة البشرية ما يشعرون فيه بقيم المجال والتواصل والبناء، فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، وأستحضر ما قاله أحد الكتاب من أن الملك عبدالعزيز رحمه الله حقق لهذه البلاد مكانة بين شعوب الأرض في القرن العشرين بتوحيد البلاد على مبدأ التوحيد ورسم الكثير من الأنظمة على أساس مصالح البلاد والعباد وكسر شوكة الغلاة ممن أرادوا الإمعان في التضييق على الناس بغير حق، وجدير أن يكون الملك عبدالله من يأخذ البلاد عالمياً إلى مكانة تليق بها في القرن الحادي والعشرين وفي كلمته في منى وفي كلماته عند إعلان الميزانيات واستنهاض همم الرجال من حوله ما يلفت انتباه المتابعين ولكنه موقف يحتاج إلى همم الرجال حقاً والى إخلاص ذوي العزائم والى نقاء في النفوس وجلاء في العقول حتى يختصر من الزمان ما نحن في أمس الحاجة إلى اختصاره.
فهــــل نحـــن مدركــــون حقيقــة التحـــدي الكبيـــر ؟!

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011