عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
الإعلام .. وحدود المسؤولية
الوطن في 29/12/1428هـ - الموافق 7/1/2008 م

ربمـا لم يدر بخلد الكثيرين من شعراء وخطباء كان لهم شأن في قبائلهم ومجتمعاتهم أنهم يؤسسون لإعلام يترقب الناس ما يصدر عنه من أخبار وبيانات وما يؤسس له من قيم وأخلاق وآداب وما يمارسه من أثر كبير في حياة المجتمعات سواء في حالة السلم أو في حالة الحرب، بل قد فتحوا آفاقاً واسعة في أن للكلمة وزنها وقيمتها وتأثيرها الذي لا يكاد يعادله سلاح آخر حتى قال بعضهم: وقد يرجى لجرح السيف برء ولا برء لما جرح اللسان، وتجاوز الأمر ذلك إلى إشعال الحروب وإطفائها بكلمات، فكان التأسيس للكلمة في أدبيات يحتفي الناس وينازلون بها.
ثـــم أخذ التطوير يرافق الكلمة في مراحل بناء وتشكيل وإعادة تشكيل الدول والمجتمعات حتى جاء الوقت الذي تأسس فيه للكلمة وزارة خاصة حين أراد هتلر إعلان الحروب القائمة على الأجندة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أراد فرضها على العالم، وكان المحرض الأكبر "جوبز" في إرساء قاعدة رسمية لوزارة إعلام تثير وتؤثر وتملأ القلوب حماساً وتلهب الكفوف تصفيقاً والآفاق صراخاً، في مشاهد قل أن يوجد لها مثيل في الحقب السابقة لذلك النهج القائم على استراتيجية إعلامية وحشد منظم للطاقات والإمكانات في حشد الجماهير وتوجيهها نحو الهدف الذي ترسمه القيادة السياسية ثم تطورت آليات الإعلام من صحافة وإذاعة وتليفزيون ووكالات الأنباء.
ولربمـــا مر على كثيرين منا في هذه البلاد المراحل المتعاقبة لقيام وسائل إعلامية مع ذكريات لا تزال عالقة في الأذهان عند قيام كل وسيلة، ففي الوقت الذي تحتفل فيه هيئة الإذاعة البريطانية هذه الأيام بمرور سبعين عاماً على نشأتها فقد قررت أن يكون العام 2008 عاماً تستعرض فيه نماذج شتى من استقبال مجتمعات شتى لنشأة هذه الخدمة فيها، ومن ذلك ما رواه أحد الصحفيين صباح أمس من أنه كان يشاهد الملك فيصل رحمه الله يحمل معه إلى غرفة نومه جهاز استقبال ثقيل نسبياً "راديو" من ماركة "زينيث" ليتابع فيه أخبار BBC العربية، وهي تشير في إيرادها الخبر إلى مدى المصداقية التي تتمتع بها وحرص الناس على متابعتها أولاً بأول.
لكــن الناس هنا وأمام ضغوط أو آراء لها هيبتها ومكانتها كانوا يتوقفون أمام كل وسيلة تشق طريقها إليهم، فكانت الحرب المعلنة على الراديو باعتباره كما قال أحدهم "شيطان في صندوق" ثم كانت الحرب على التليفزيون وثار حوله أو بشأنه ما ثار حتى وصل الأمر إلى إزهاق أرواح، وحين علت الصحون اللاقطة لبث القنوات أثناء حرب الخليج الثانية كانت هناك حرب موازية ضد هذه "الدشوش" حتى بات يوصم من يستقبل هذا البث بالدياثة، بل إن خطب الجمعة كانت تصب جام غضبها على أولئك الفاسقين الفاسدين دون اعتبار لما يمكن أن يؤول إليه الحال أو إلى ما يمكن أن يصرف فيه صاحب "الدش" وقته.
وكانــت الثورة المضادة الأخرى لجوالات الكاميرا وأخذ أعداؤها يرمونها بشتى التهم ويصبون عليها جام غضبهم وأنها سوف تفتح الأبواب لفساد عريض ومشكلات لا تجد حلولاً، إلى آخر قائمة ما يخترعه أصحاب الثورات وما يجدونه جاهزاً من سلاح يشهرونه في وجوه أولئك الجوالين بأجهزة كانت تصل أحياناً عن طريق التهريب أو عبر شرائها من دول مجاورة، وقد صحب هذه الثورة ثورة موازية على البلوتوث وما يجره من مصائب وما ينتج عنه من جرائم، والحقيقة أن هذا الكلام مع ما فيه من مبالغة إلا أن فيه جانباً كبيراً من الصحة، ولكنه الاستخدام السيء أو الجيد لوسيلة شأنها شأن غيرها.
وفــي كل الوسائل السابقة كان الجانب الديني يقحم في المسألة فيصبح للحظر أو للنقاش بشأنه جانب القداسة مما يدفع الكثيرين إلى التورع بل والمشاركة في الإنكار والتحذير من الاقتناء أو المشاهدة، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها وأخذ الناس يركنون إلى هذه الوسيلة الحديثة باعتبارها جزءاً من العصر الذي يعيشون فيه وإنما المعول عليه هو الخلق القويم والنية الصحيحة في الخير، إذا بأكثر المعادين هم أكثر المستخدمين لها، بل إن أحدهم ذكر أن فلاناً تستعطيه فتأمل أن يكون ذلك دليل قبول في السماء (حيث الأثير) .
واليـــوم تحظر الساحات وتغلق المنتديات ويعتقل بعض أصحاب المدونات على خلفيات الإفراط في توظيف المسائل الدينية أو الاجتماعية، ولكن الأمر يظل محصوراً في إطار المشاركة الكلامية وهي لا تعدو أن تكون إبداء رأي شأنها في ذلك شأن الشاعر أو الخطيب في الجاهلية أو الإسلام، أو شأن كاتب مقال يقول فيه رأياً في قضية مما يهتم به الناس أو تتعلق به الحياة، وحيث أن الأمر كذلك فإن هذا الحظر أو الاعتقال يغلق المتاح من الوسائل ويجعل صاحب الرأي يبحث عن وسيلة أخرى ربما كانت أشد خطراً ولكنها بالتأكيد أقل تأثيراً.
ولا نغفل أننا نحن المجتمع الذي حارب الوسائل الحديثة في كل مرة تحل بيننا هو نفسه المجتمع الذي تحط في رحابه قنوات وساحات ومنتديات وجدت فيه بغيتها، فالكثير من القنوات اللبنانية توقت برامجها بتوقيت السعودية وتثمن مسابقاتها بعملة السعودية، والساحات وهي إماراتية لا تكاد تجد فيها قضية واحدة أو مشاركاً واحداً تخص الإمارات، بل إن جميع روادها سعوديون ومن المصلحة والحكمة النظر إلى هذه الجوانب وما تعنيه حتى لا نفاجأ بأننا لا نحسن حواراً بينناً وإنما عبر وسيط، ولا نحل قضية داخلية إلا إذا جاءت من خارج الحدود، ولا نستمع إلى صاحب مدونة حين يقول كلاماً لاشبهة فيه لإرهاب!
إنــها المسؤولية التي ينبغي أن يرتقي إليها كل المشاركين في نسيج اجتماعي متماسك متكامل متجانس أياً كان موقف صاحب المشاركة أو موقعه، وفي دخول الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان خط النقاش بطلبها الإفراج عن المدون فؤاد الفرحان ما يوحي أن مؤسسات المجتمع المدني تضيف قيماً إيجابية عالية وتسهم في بناء كيان يقوم على التناغم والتفاهم والانسجام ويزرع مساحات واسعة من الأمل ومن تحقيق المنجزات الجميلة.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011