عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
حتى لا تغرقنا الأخطاء
الوطن في 27/1/1429هـ - الموافق 4/2/2008 م

حيــن يموت صغار الأطفال من طلاب المدارس واقفاً أحدهم أو واقفة إحداهن فإنما يمثلون العزة التي تهوي فجأة في نفوسنا والنخوة حين تذوي في قلوبنا والحياة التي نفرح بها ونبتهج لها حين تفقد كل معانيها في حياتنا فنخر إلى الأرض صرعى حتى وإن كنا في جذوة احتراقنا بها واشتعالنا بكل مغرياتها، لأننا شغلنا أنفسنا حتى أصبحنا في شغل عن غيرنا من ذوي الحاجات وإلا فكيف يغفل المربّون والمربّيات عن فلذات أكباد يعانون وهم لا يشعرون وكيف قبل ذلك وبعده لا يتنبه أولياء أمور إلى جحيم المعاناة فيصرخون حتى يوقظوا الغفاة من الغافلين في مجتمع يكاد يهلك.

وحيـن يعاني طفل أو طفلة من قسوة في البيت تصل إلى حد التشويه ثم الوفاة ولا تنتفض الغيرة الإنسانية لدى أقرباء وجيران ومعارف بل وغرباء ولا يرون في الأمر أكثر من شأن عائلي داخلي فإنما هي ممارسة بغيضة للانسلاخ من الآدمية وتقمص أي صفة أخرى لا تحس أو تسمع أو ترى لأن الحيوانات قد تتدخل أحياناً بل غالباً إذا شاهدت ما يدعو إلى الخروج عن مقتضيات الفطرة الحيوانية البهيمية فكيف بإنسان لا يحرك ساكناً لما يجري من حوله وهو يستطيع أن يقوم بشيء أي شيء قد لا يحقق إنقاذاً بالكامل لكنه يستنقذ في الحد الأدنى آدميته من الاعتداء عليها.
وحيــن يصل العقوق ببعض البنين والبنات إلى حد الطرد من البيت أو الإجهاز على بقية باقية من حياة أب شبه حي أو أم شبه ميتة فإن في الأمر ما يستدعي طول تأمل أنحن نعيش في مجتمع أسوياء أم مجانين، بل إن المجانين يجدون في كثير من الأحيان من بقية عقل أو من ذرة جنون ما يحول بينهم وبين جريمة من هذا النوع البشع الذي لا يبقي شيئاً من مبررات الحياة : أي حياة تمسّ أحداً ممن يرى أو يسمع بما يجري ثم يحسب أنه يستحق أن يكون كريماً أو صاحب خلق كريم إن لم يسهم في فعل شيء قد يعيد الحياة إلى توازن في حدود دنيا.
وحيــن يصل البعض في السطو على حاجات الناس وضرورات حياتهم إلى التحايل المقيت من أجل الحصول على مال بأي شكل وبأي سبيل بغض النظر عن آدمية هذا السبيل ويحسب هذا المحتال أنه صاحب ذكاء رفيع أو صاحب حق قديم يجعله يتخذ ما يتخذ حتى يكون أغنى وأقدر ولترتفع الأرصدة وتتسع مساحات الأراضي وتعلو خزينة الاستثمار ومحفظته على نحو يبحث فيه عن الكم لا عن الكيف فإنما هو انحدار نحو هاوية يتخبط صاحبها في منحدراتها تحت شعار لذة الأرصدة والمساحات حتى إذا واجه النهاية القريبة أو البعيدة وزال أثر السعار الضاري أدرك أن الأمر لم يكن يستحق شيئاً من ذلك على الإطلاق .
المجتمــع الحي كالجسد الحي تتحرك فيه كل الحواس الظاهرة والباطنة حتى تمكنه من معرفة مصادر الخطر لتلافيها قبل أن تقع فإن وقع شيء من ذلك تحركت فيه جنود المقاومة لتكافح الفيروسات والميكروبات وتقضي عليها وتستعيد العافية، والجسد الحي الذي لا يتمتع بروح حية متوثبة وإحساس يقظ يبصره بما يليق به أن يكون فيه كالمجتمع القوي البنيان الذي يعاني من أمراض تفتك به حتى إذا ما وصل المرض مرحلة الخطر وجد أنه من الصعب أن يستعيد شيئاً من تلك القوة فيسقط كما تسقط الجثة خامدة هامدة.
والمصلحــون في المجتمعات هم الذين يشكلون مصادر التنبيه قبل وقوع الخطر ويقومون أيضاً بالعلاج إن وقعت المخاطر، وفي مقدمة هؤلاء في هذا العصر الصحافيون الذين لا يشغلهم عن رسالتهم حب الدنيا بما فيها من مغريات وملهيات وما يكتنف أعمالهم في كثير من الأحيان من منغصات ومثبطات لأنهم يرون أن المجتمع أبقى من هذه العوامل وأن أمانة الكلمة وشرف القلم وقدسية المهمة أبعد بكثير من مصلحة قريبة تتحقق أو مضرة محتملة قد تقع، وهم بذلك أصحاب قيمة رفيعة إن استشعروا الأمانة وأدركوا عظم الرسالة.
لا يصمــت الصحفي الحر حين يرى الخطر بل يصيح ويرفع صوته ويحرض بكلمته ويطلق قلمه وينثر مداده ويقول للناس في ثقة واقتدار: احذروا فإن الخطر قادم من هنا، إما من بطالة مستشرية أو جوع فاغر فاه أو مافيا تسيطر على أيد عاملة توظفها في نشر الرذيلة وممارسة الجريمة أو نساء يمارس ضدهن ألواناً من القهر والإهانة والأذى حتى يحتبس في أذهانهن أنهن كذلك فعلاً فيرخصن أمام أصحاب الأهواء والمطامع الهابطة، أو أطفال يحرمون من حقهم في حياة كريمة وتعليم شريف يفتح لهم أبواباً واسعة لحياة يسهمون بها في بناء أوطانهم وحماية أنفسهم من المعتدين.
والصحفـي الحر يرسم آفاق الصحافة الحرة التي لا تغدو سلعة في يد أحد من الناس أياً كان، بل هي تسعى في البناء وإقامة الحق في النفوس والعقول وتضيء كل يوم طريقاً يسير الناس فيه إلى القمم التي يطلون من خلالها على آفاق أكثر علوا وأشد اتساعاً فيتنفسون هواء صافياً ويستنشقون عبيراً ندياً لأنهم يعملون في النور ويصعدون إلى السماء ويعلون طريقهم بالبناء والمشاركة علماً وإبداعاً وإنتاجاً في غير كبت ولا مساومة ولا إذلال، وتلك هي جماليات حرية الحياة وحياة الحرية.
مــا الذي يتبقى للمجتمع إذا خانته صحافته؟ وماذا يبقى للصحفي إذا خذلته موهبته؟ وماذا يبقى للموهبة إذا هجرها إبداعها إلى عرض رخيص وجيب واسع ويد طويلة وأصبحت الأمور التي تبني صروح العز في الحياة تهدمها وتؤسس لمعاقل الخوف والعجز والتردي؟ ما الذي يواجه الصحفي نفسه به حين لا يسعى في استنقاذ حياة فرد قد يحيا به المجتمع كله؟ أو يحول بين ظالم وبين اعتداء قد يفقد المجتمع به كرامته وحيويته ونشاطه وقدرته على النمو أو رغبته في مواصلة الحياة.
ربمــا أسرف الكثيرون في مصطلحات التطرف في كل ميدان من ميادين الأيدولوجيا من علمانية وليبرالية وأصولية وجدلية لكنهم لا يقدمون للمجتمع إلا المزيد من الغموض والتعقيد والتقوقع والسير وراء مفهومات لا يكاد أحد يخرج منها بطائل، أما حين توظف هذه الإبداعات في خدمة المجتمع الذي تغلب عليه الوسطية والاعتدال ويعززون فيه جوانب حب الحياة الرفيعة وتنمية الحياة الكريمة فإن موت البعض واقفين قد يتأخر قليلاً وربما يقتصر على بعض الأشجار أو بعض القامات التي وجدت أن السماء أقرب لها من الأرض فاختارت الموت شامخة.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011