عن الشاعر
الدواوين
القصائد
المقالات
الصور
الفيديو
روابط صحفية
الرئيسية  -  للتواصل  
يوتيوب فيسبوك تويتر جوجل
بوادر شفافية
الوطن في 4/2/1429هـ - الموافق 11/2/2008 م

قــل أن نسمع أن وزارة تنتقد أداء وزارة أخرى في مجال العمل المتعلق بمصالح المواطنين إلا إذا كان الأمر دفاعاً عن النفس أو إلقاء اللائمة على طرف آخر وفي ظروف ضيقة ولاعتبارات محسوبة جداً، لكن التصريحات التي أوردتها بعض الصحف أمس الأول عن وزارة العمل من غير تحديد صاحب التصريحات تنتقد أداء وزارة التعليم العالي وتحملها مسؤولية الشهادات غير المعتمدة ومراكز القبول غير المعتمدة المنتشرة في مناطق المملكة، وأشار المصدر إلى شكوى أصحاب المنشآت من هذه الظاهرة إضافة إلى مخالفتها لنظام العمل كون وجود مثل تلك الشهادات تبطل التعاقد، وأن الذين يلتحقون بالعمل في القطاع الخاص من هؤلاء يفتقدون إلى ما يشير إلى أنهم تلقوا أي تدريب أو إعداد على الإطلاق، بل إن الوزارة تختبر في المؤسسة العامة للتدريب المهني والتعليم الفني من هؤلاء من ترى أنها بحاجة إلى التحقق من قدراته فلا تجد عنده شيئاً يغني للعمل.
هــذه الخطوة إن استمرت على نحو من الموضوعية والمصداقية سوف تفتح ميادين من الشافية في تدقيق الأداء العام والتحقق من أن كل قطاع يؤدي الجزء الـمُناط به من التنمية والبناء وتحقيق الأهداف، وإن أسهم المواطن أيضاً في تفعيل هذه الميادين بالمطالبة والمساءلة والإلحاح على أن يعرف حدود ما له، فإن الأمور سوف تسفر عن إنجازات تجبر الناس على عدم التوقف عن تحقيق المزيد منها، ذلك أن الإصرار يدفع إلى إنجاز وأن الإنجاز يعزز من روح الإصرار والمثابرة حتى يصبح الأمر دائراً في فلك الإبداع والإتقان وإن اختلفت المستويات المطلوبة بحسب المشاركة والتجاوب والرغبات الكامنة في النفوس من أجل الإصلاح والقدرات التي تجعل من هذه الرغبات حقيقة يتلمس المجتمع آثارها ويجني ثمارها.
كثيـــر من المسؤولين لا يزالون يعيشون جو الوظيفة الحكومية التي لم يساعد كثيراً أن يعرف شاغلوها أنهم ينتمون إلى هيئة حكومية تسمى "الخدمة المدنية" وأنهم ليس إلا خدماً مدنيين وهو شرف عظيم لأولئك الذين أدركوا أن استشعار المسؤولية ونزاهة الهدف وعفة اللسان ونظافة اليد وطهر الجيب وعلو الغاية إنما هي من بين المؤهلات الأساسية لشغل هذه الوظائف، وأن الذين يفشلون في تلبية حدود عليا من هذه المؤهلات لن يكونوا خداماً شرفاء ولن يحققوا تنمية مضطردة ولا إنتاجاً متواصلاً بل هي النكسات تفرز النكسات والفشل يثمر الفشل، في حين يظن أحدهم في قرارة نفسه أن البشرية في أمس الحاجة إليه وأنه حتى حين يمد يده إلى المال العام فإنما يأخذ حقه وحين يصرخ في وجه أحد من ذوي الحاجات فإنما يعلمه حسن التواصل والتأدب مع نبلاء الوطن الأصفياء!!
الشــباب والفتيات الذين تلقي بهم مؤسسات التعليم العام والتعليم العالي إلى مطحنة الواقع المؤلم وهم لا يحملون إلا ورقة ربما يخجل أحدهم من النظر إليها لأنها لم تجعل له قيمة مضافة في مجتمع ينمو بالقيم المضافة وينكمش بالقيم السالبة، ما الذي يستفيده إذا رأى أنه يحتاج إلى تفهم جديد وتعليم جديد وتلقين جديد لأنه لم يحقق تعلماً يجعله قادراً على أن يعمل فكره فيرى أن هناك حاجة لهذا الفكر، وأن الناس يبحثون عن هذا النوع من الرجال في هذا التخصص الذي يحمله، وكيف يستطيع أن يقف أمام من يتوقعون منه أن يبدأ في العمل لأنه قادر على العمل ليس لأن هنالك من يضمن له فرصة العمل لأنها حق مكتسب مثلها مثل شهادة الميلاد والتعليم النظامي الذي كان يدفع إليه كل يوم على مدى سنوات طوال.
وإذا صحت روايات الصحف هذه عن صاحب هذه التصريحات في وزارة العمل فأين إيضاح وزارة التعليم العالي التي صمتت وكأن الأمر لا يعنيها أو إنما يعني وزارة أخرى أو ربما وزارة تعليم عالِ في بلد آخر؟ لماذا لم تقل إنها قد أوجدت فعلاً المقاييس الصحيحة لهذه المؤسسات كي تختار وتؤهل وتخرج وتضمن فعلاً لهؤلاء الشباب والفتيات أن هنالك طلباً حقيقياً لهم في السوق لأنهم المخرجات التي يحتاج إليها السوق؟ وأنهم يختلفون عن كثير من خريجي مؤسسات التعليم العالي الحكومية التي لا تكاد تجد عملاً إلا بعد جهد جهيد وقد لا تبدع فيه أو تتقنه لأنها ربما لم تجد فيها من الكفاية والتأهيل ما يُحلّق بها في أجواء الإبداع التي هي من بين ما يحتاج إليه العاملون في القطاع الخاص حتى ينافسوا ويحققوا لهم مكاناً.
لمــاذا لا يلزم موظفوا القطاع الحكومي وخاصة أولئك المنتسبون إلى مجالات التعليم والتدريب بالعمل في القطاع الخاص ليروا كيف أن متطلبات العمل تختلف كثيراً من حيث الالتزام والانضباط واحترام المواعيد والتودد إلى الناس والتلطف معهم وضبط الساعة البيولوجية على مؤشر وقت يختلف في كثير من ملامحه عن الوجاهة الاجتماعية وجدولها الحافل بالكثير من المناسبات ذات القيمة وغير ذات القيمة، وإعادة برمجة التفكير ليجعل الأمر يدور على حسن تنظيم الوقت بما يكفل نجاحاً في الأسرة الصغيرة (البيت) والأسرة الكبيرة (مجال العمل) من أجل الأسرة الأكبر (الوطن) ؟ وهنـا يشعر المرء بأن للحياة معنى أفضل في تحقيق مناط الحياة من ذلك الشتات الذي توهم به مجاملات كثير من نواحي العمل العام.
ذات عام التحق أحدهم ليدير إحدى الشركات التي تعاني من تدهور في الأداء نتيجة عوامل من أهمها سيطرة القطاع العام عليها إما من موظفين معارين أو من جوانب إشراف مزدوج بين جهة تُقدم الإعانات وأخرى تتولى الإشراف على الأداء بسبب الاختصاص، ولم يكن لدى صاحبنا من سبيل إلا أن تكون معايير أداء ومحاسبة دقيقة وانضباط ومتابعة وشفافية في المساءلة والعقاب والثواب، وبدأ طيف من النور يلوح في آخر نفق مظلم طويل لكن المافيا هي المافيا فتحركت على كل صعيد وأجلبت بخيلها ورجلها وكان من بين المتحركين وزارة العمل والشؤون الاجتماعية حينذاك التي أرسلت مفتشاً للتحقيق ومساءلة صاحبنا الذي أجاب عن كل سؤال وأصر على المفتش كي يقابل أصحاب الشكاوى والاستماع لهم وأشرفت الساعة على الثانية والنصف فلملم مندوب الوزارة أوراقه كي يلحق بغداء أهله ثم يعود في الغد من جديد لكن أخانا في الشركة أصر على أن يظل حتى ينهي تقريره لأن الشركة لا وقت لديها لاستقباله من جديد وبقي المفتش إلى الليل واكتشف البون الشاسع بين عمل لا وقت فيه للراحة وبين راحة لا وقت فيها لعمل وتلك إحدى المفارقات !!
إن صحت هذه الروايات الصحفية والتصريحات الوزارية فهي بداية لأفق جميل يظهر مبشراً بأن الشفافية قادمة وأن السجادات الكبيرة التي تجمع تحتها المشكلات ليطوى عليها الأمر سوف تخرج كل يوم كي ينفض عنها الغبار وتتناثر المشكلات في وجوه أصحابها كي يصلحوا أو يتولى غيرهم المسؤوليات ويقوموا على خدمة الناس بشكل سوي حتى يتحقق للوطن من يخدمه من هؤلاء الناس ليحتل المكانة اللائقة به في كل مجالات الحياة وليس في استخراج الكنوز وبيعها، ذلك أن أفضل الكنوز وأغلى الكنوز وأبقى الكنوز هي الإنسان وحده، وما لم يتوفر له من الحرية ما يجعله مبدعاً منتجاً فاعلاً في الحياة فإن الوطن سوف يظل في أيدي أولئك القادرين على السيطرة على قدرات الآخرين وتقييد حركتهم وحريتهم.

جميع حقوق الطبع محفوظة - 2011